قوافل الأجر والثواب

على المؤمن أن يدرك أنّ أولى خطوات غضّ البصر أن يعلم أنه طاعة يتقرب بها إلى مولاه عز وجل- (أرشيفية)
على المؤمن أن يدرك أنّ أولى خطوات غضّ البصر أن يعلم أنه طاعة يتقرب بها إلى مولاه عز وجل- (أرشيفية)

انطلاقا من قوله تعالى" قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"(النور:30) فإنّ غضّ البصر من أهم الواجبات التي لا بدّ أن يعتدّ بها المؤمنون بحياتهم في رمضان وغيره. اضافة اعلان
وقد قال أبو حيان في تفسيره للآية السابقة: قدم سبحانه وتعالى غض البصر على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر لا يكاد يقدر على الاحتراز منه، وهو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه ويكثر السقوط من جهته.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عن ربه عز وجل:"النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه".
وعلى المؤمن أن يدرك أنّ أولى خطوات غضّ البصر أن يعلم أن غض البصر طاعة يتقرب بها إلى مولاه عز وجل، ومعلوم أن الله لا يأمر عباده إلا بما يقدرون عليه، وهو سبحانه أعلم بهم وبما يصلحهم، وهو القائل "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" ولم يستثن أحدا من هذه الآية، بل الخطاب عام لأهل الإيمان، فلا يدّعي أحد بعد ذلك  بأنه لا يستطيع غض بصره، أو أن الهوى قد غلب عليه، أو نحو ذلك، وهذا إنما جنى على نفسه بإطلاق بصره أولا، ولو أنه امتثل للأمر لبلغه الله ما يريد ولعصمه من هذه الفتنة، ولكن هذا من عاقبة التفريط، ومعلوم أن غض البصر يحتاج إلى صبر ومصابرة وكل بحسب قوة إيمانه وإرادته.
وحين سئل عليه الصلاة والسلام عن نظر الفجأة فأرشد إلى العلاج النافع الذي من استعمله سد عليه هذا الباب بالكلية ولا يحتاج معه لعلاج غيره فقال"اصرف بصرك"، و أوصى ابن عمه بهذا العلاج فقال عليه الصلاة والسلام "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية".
فهذان العلاجان هما من أنفع الأدوية ولا يحتاج معها المؤمن إلى علاج آخر إذا عمل بها، وهما علاجان وقائيان، والعلاج الوقائي من أفضل ما ينتفع به الإنسان، لأنه يعالج الأمور ويدفعها قبل حصولها أصلا، فإذا غض المؤمن بصره عن الحرام ثم إذا وقع بصره على شيء صرفه مباشرة ولم يعاود النظر فإنه أمن بذلك من هذه الفتنة العظيمة بسبب امتثاله لأمر الله ورسوله"وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".
عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اضمنوا لي ستاًَ من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم". وقال ابن القيم - رحمه الله - والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع مانع.
وعلى المؤمن أن يتذكر ما أعده الله عز وجل لعباده الصالحين في جنات النعيم وما فيها من المشتهيات واللذات، على أكمل الأوجه وأوسعها وأوعاها، كما قال تعالى عن تلك الدار "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وانتم فيها خالدون"(الزخرف:71)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى "أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".
ولا شك أن المسلم إذا اتبع واستعمل هذه الأحكام وسار على المنهج فإنه سوف ينتصر على الوسواس الشيطانية والحيل النفسية والتبريرات المنطقية وهذا كله يدخل في قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين".
وإذا كان النظر إلى من لا يحل النظر إليه مُحرماً فالخلوة بمن لا تحل مُحرمة من باب أولى وأحرى لأن الوساوس الشيطانية تجد لها مجالاً في هذه الحالة وثوران الشهوة يجد له مبرراً فيضعف العقل عند هذا، ولا يكون له تأثير على زجر الشهوة فتسوقه نفسه الأمارة بالسوء إلى الفاحشة، لهذا نهى المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الخلوة فقد رُوي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم". متفق عليه.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار أفرأيت الحمو؟ قال:"الحمو الموت". متفق عليه.