لماذا لا يزول الإرهاق رغم النوم الطويل؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أظهرت دراسة حول استخدام الأميركيين للوقت أنهم بدأوا ينامون مدة أطول مقارنة مع أوقات نومهم خلال الأعوام العشرين الماضية. وعلى النقيض من ذلك، كشف استطلاع جديد أجراه مركز "غالوب" أن الأميركيين يعانون من زيادة التوتر وانخفاض ساعات النوم. فهل يمكن أن تكون النتيجتان صحيحتين؟

اضافة اعلان


عند النظر بدقة، يتضح أن الجائحة عجّلت بتحول كبير في استخدام الوقت بالنسبة للبعض، لكنها لم تغير مشكلة النوم القائمة منذ فترة طويلة على المستوى الوطني.


لم يستفد الأشخاص الذين يعملون في أكثر الوظائف إرهاقاً وتبديداً للنوم من أي زيادة في أوقات النوم بعد جائحة كورونا. وبينما يقضي آخرون وقتاً أطول في الفراش، لكنهم يتقلبون على الجانبين ولا يستطيعون النوم.

تقيس الدراستان جوانب مختلفة نوعاً ما. فالبيانات التي تظهر أننا ننام مدة أطول جاءت من "دراسة استخدام الوقت في أميركا" التي أجراها "مكتب إحصاءات العمل" و"مكتب الإحصاء" في الولايات المتحدة. تعتمد هذه الدراسة على استطلاع يطلب من عينة من المواطنين تحديد ما يقومون به طوال اليوم.

وأظهرت هذه البيانات أثناء الجائحة زيادة كبيرة في أعداد الموظفين والمهنيين الذين يعملون من منازلهم. وتوضح فيكتوريا فرنون، وهي اقتصادية في كلية "صني إمباير ستيت" (SUNY Empire State)، أن الذين يعملون من المنزل ينامون نحو 30 دقيقة إضافية كل صباح ويقضون وقتاً أطول في النوم بشكل عام.


مدة النوم وجودته

 


ساعد الاتجاه إلى العمل من المنزل على زيادة متوسط وقت النوم ليلاً في أميركا بمقدار 10 دقائق بين عامي 2019 و2022. وقد سرع ذلك من وتيرة الزيادة المطردة في وقت النوم التي بدأت منذ عام 2003.

بالنسبة لمن بدأوا العمل من المنزل خلال الجائحة، تم اقتطاع بعض ساعات النوم الإضافية من الوقت الذي كانوا يمضونه سابقاً في الاستعداد للخروج والانتقالات التي تستغرق في المتوسط 89 دقيقة يومياً لمن يعملون في أماكن بعيدة عن المنزل، بحسب موقع بلومبرغ الشرق.

أما استطلاع "غالوب" الجديد فيسأل الناس مباشرة عن النوم والتوتر. وكشف عن تغير مفاجئ لم يظهر في الدراسة المسحية الأخرى؛ فقد أصبح الناس أقل شعوراً بالرضا منذ الجائحة عن جودة وقدر النوم الذي يحصلون عليه. وفي عام 2023، قال 57% من الأميركيين إنهم سيشعرون بتحسن إذا حصلوا على قسط أوفر من النوم مقابل 43% في عام 2013.

وما يثير القلق أكثر من ذلك أن نسبة من ينامون أقل من 5 ساعات ارتفعت إلى 20% من 15% في الأعوام السابقة. (ويقول بعض الخبراء إن معظمنا يحتاج إلى 7 ساعات من النوم على الأقل).

التوتر واضطرابات النوم

 


أحد الأسباب المحتملة وراء ذلك هو ما أعلنته المعاهد الوطنية للصحة؛ حيث يعاني ما بين 50 مليوناً إلى 70 مليون شخص من اضطرابات في النوم، وأكثرها شيوعاً هو الأرق الذي يرتبط بالتوتر ومشاكل الصحة العقلية، بحسب رنسكه لوك، الإخصائية في طب النوم في "جامعة ستانفورد".


وتكشف بيانات "غالوب" أن مستوى التوتر اليوم هو الأعلى خلال 30 عاماً؛ حيث أكيد حوالي نصف المشاركين في الاستطلاع أنهم تعرضوا لحالات توتر متكررة. كذلك ارتفعت مشكلات الصحة العقلية منذ عام 2020.


ربما نجد جانباً من هذا التحول في تغيرات أخرى في استخدام الوقت ترتبط بفيروس كورونا. فعلى سبيل المثال، بدأ الناس يقضون وقتاً أطول أمام الشاشات، ما يقطع النوم إذا استخدمت في وقت قريب جداً من وقت الذهاب إلى النوم. كذلك قد تساهم زيادة الوقت الذي نقضيه بمفردنا في التعرض لمشاكل الصحة العقلية، مثل التوتر والاكتئاب، التي قد تعوق النوم.

وقال ماتياس باسنر، خبير النوم في جامعة بنسلفانيا، إن زيادة استخدام مؤشرات متابعة اللياقة البدنية تجعل الناس أكثر وعياً بمشكلات النوم التي لم يعرفوا من قبل أنهم يعانون منها. وهذا قد يؤدي إلى دخول بعضهم في دائرة مفرغة من الأرق وعدم النوم.


وقالت لوك من "جامعة ستانفورد" إن القلق بشأن الحصول على قسط قليل جداً من النوم قد يؤدي إلى الأرق. وأضافت: "عندما لا تستطيع النوم، تقول: يا إلهي، أريد حقاً أن أنام، ولكنني لا أستطيع النوم".


وهذا ما اختبره الكثير منا في الليلة التي تسبق عرضاً تقديمياً كبيراً أو مسابقة مهمة. وعندما يحدث ذلك بشكل متكرر، كما يقول باسنر، فإن المتخصصين يطلقون عليه اسم "الأرق الناجم عن القلق من النوم".


العمل سبب رئيسي

 


غير أن باسنر يقول إن العمل هو أكبر قوة ضاغطة في المشاكل المتعلقة بالنوم؛ إذ يحتاج الناس إلى قدر معين من الوقت للاسترخاء والراحة بطرق مختلفة، لذا فإن الضغط على الموظفين للعمل ساعات إضافية يقتطع من وقت نومهم.


غالباً ما يضطر العاملون بنظام الورديات إلى تحدي دورات النوم الطبيعية لأجسامهم. وتقول لوك إن دورات النوم لدينا لا تعتمد فقط على المدة التي نقضيها مستيقظين، بل أيضاً على وقت النهار. وبالنسبة لمعظم الناس، لا يتوافق الدوام الليلي أو تغيير المناوبة أو المناوبات غير المتوقعة مع إيقاع الساعة البيولوجية البشرية.


ووفقاً لدراسة جديدة نُشرت في مجلة "بلوس وان" (PLOS One)، فإن العمل خارج النمط المعتاد من الساعة 9 صباحاً إلى 5 مساءً يؤثر سلباً على المدى الطويل على الصحة العقلية والبدنية للأفراد.


استخدمت هذه الدراسة بيانات عن الصحة والنوم وأنماط العمل عند 7000 شخص ولدوا في الستينيات من القرن الماضي، بدءاً من سن 22 عاماً وعلى مدى الثلاثين عاماً التالية. وكان أولئك الذين أمضوا معظم الوقت في نوبات العمل الليلية أو نوبات العمل "المتغيرة" هم الأكثر عرضة للإبلاغ عن تدهور صحتهم العقلية والبدنية عند بلوغهم سن الخمسين.


وقال المُعد الرئيسي للدراسة، وين جوي هان، الأستاذ في كلية سيلفر للعمل الاجتماعي بجامعة نيويورك، إنه من الصعب على الأشخاص الذين يعملون في دوريات عمل متناوبة أو غير متوقعة الحصول على قسط كافٍ من النوم كماً ونوعاً. وأغلب هؤلاء الأشخاص هم ممن يعملون في وظائف منخفضة الأجر وقليلة المزايا، مما يزيد من تعقيد الأضرار الصحية لهذه العوامل. وهم أيضاً سائقو الشاحنات والصرافون ومختلف العمال الذين يدعمون اقتصادنا على مدار الساعة. ولم يحصلوا على أي زيادة في وقت النوم نتيجة العمل من المنزل، على الرغم من أنهم أكثر من يحتاجون إلى ساعات نوم إضافية.


يشعر العلماء بالارتياح لأن الناس يتعاملون بجدية مع مخاطر الحرمان من النوم، لكنهم يحذرون من أن التعاطي المفرط مع هذا الموضوع قد يؤدي إلأى مشاكل إضافية في النوم.