لمسات بيانية

يحوي الخطاب الإلهي لمسات بيانية وبلاغية فريدة في سياقها القرآني، ويرى الدكتور فاضل السامرائي وفق ما ورد على موقعه الإلكتروني،
أن دلالة الخطاب المصدّر بـ (يا أيها الناس) في الحج (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27) الحج) (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا (97) آل عمران) تختلف عن الخطاب في الصلاة وغيرها المصدّر بـ (يا أيها الذين آمنوا).اضافة اعلان
حيث يختلف الحج عن كلّ العبادات. ولما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) فهذه دعوة للناس أجمعين للدخول في الإسلام، إذ إنّ الصلاة الصيام والزكاة الديانات مشتركة فيها. قال تعالى عن إسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) مريم) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة) وقال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس) وكفار قريش كانوا يصلّون (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الأنفال) فلو قال صلّوا لقالوا إنما نصلي ولو قال زكّوا لقالوا إننا نزكّي ولو قال صوموا لقالوا إننا نصوم، إذن هذه الدعوات لو قالها لا تكون دعوة للدخول في الإسلام بخلاف الحج.
ولم يكن أهل الكتاب من النصارى واليهود يحجون إلى بيت الله الحرام. فلما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) معناها كلٌ مدعوون للدخول في الإسلام لأن هذه العبادة الوحيدة التي لم تكن عند أهل الكتاب.
فهم كانوا يصلّون ويصومون ويزكّون إلا الحج فلم يكونوا يحجون لمكة. ولذلك هذه دعوة للدخول في دين الله. الحج يختلف عن بقية العبادات لأن بقية العبادات موجودة. إذن قوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) هو دعوة للدخول في الإسلام وإقامة هذه العبادة.
أما الفرق بين أنزل وأوتي في قوله تعالى:(قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة)
فيلحظ أنّ الأنبياء المذكورين ذُكرت له معجزة تحدّى بها المدعوين، فموسى وعيسى عليهما السلام ذكرت معجزاتهما، ولم يذكر معجزات للمذكورين الباقين.
أما معجزة العصى فهي إيتاء وليست إنزالاً ولذلك فرّق بين من أوتي المعجزة التي كان بها البرهان على إقامة نبوّته بالإيتاء وبين الإنزال.
وكلمة (أوتي) عامة تشمل الإنزال والإيتاء. فالكُتب إيتاء. ومعنى أنزل يعني أنزل من السماء، أما آتى فمعناه أعطاه، قد يكون الإعطاء من فوق أو من أمامه بيده. لما يُنزل ربنا تبارك وتعالى الكتب من السماء هي إيتاء فالإيتاء أعمّ من الإنزال لذلك لما ذكر عيسى وموسى عليهما السلام ذكر الإيتاء لم يذكر الإنزال ثم قال (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) دخل فيها كل النبيين لأنه ما أوتوا من وحي هو إيتاء.
(وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) قد يكون إنزالاً ويكون إيتاء لكن ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام في هذه الآية هذا إيتاء وليس إنزالاً لأنه يتحدث عن معجزة ولأنهما الوحيدان بين المذكورين اللذين أوتيا معجزة. والآخرون إنزال وعندما يتعلق الأمر بالمعجزة قال إيتاء.
أما الفرق بين بني وأبناء في الآيات (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ (31) النور) و(لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) الأحزاب) فيتمثل في أنّ بني أكثر من أبناء من حيث العدد. وبنو آدم ليست مثل أبناء آدم، بني إسرائيل كثير، أبناء يعقوب أقل. فبني أكثر من أبناء. أبناء هي من صيغ جموع القِلّة: أفعُل، أفعال، أفعلة، فُعلة. الفرق بين الآيتين لو لاحظنا آية النور التي فيها (بني) هذه في عموم المؤمنين، الخطاب لعموم المؤمنين والمؤمنات. بينما في آية الأحزاب الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، في آية النور قال تعالى:(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) نساء المؤمنين كثير بني أخواتهن وبني إخوانهن فقال بني أخواتهن. أما في الأحزاب فالخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن قليلات بالنسبة لنساء المؤمنين فقال أبناء لأن أبناء أقل من بني وفي الكثير قال (بني) لأنها في عموم نساء المؤمنين وهذه طبيعة اللغة.