نزيهة عيسى: نجاح امرأة آمنت بالصبر وبالعلم

نزيهة عيسى: نجاح امرأة آمنت بالصبر وبالعلم
نزيهة عيسى: نجاح امرأة آمنت بالصبر وبالعلم

 فريهان الحسن

عمان- لا يمكن لجميع الناس العبور إلى شط الأمان، وسط لجّة من الأمواج المتلاطمة، فقليلون هم الذين يتمسكون بالصبر والإيمان، وبالثقة في القدر وفي أنفسهم.

اضافة اعلان

تلك المقدمة قد تكون وصفا دقيقا لقصة نزيهة عيسى، المرأة الحديدية التي قادت مركب عائلتها إلى شاطئ النجاة والنجاح.

تنعم الآن نزيهة بالراحة والطمأنينة، في فترة تقاعدها الاختياري، بعد رحلة عمل استمرت لأكثر من خمسين عاما، ووجدت أن كفاحها عبر السنوات الماضية يثمر الآن.

أوجاع وصدمات تلقتها نزيهة (70 عاما) واحدة تلو الأخرى، بدءا من طفولتها المعذبة، وصولا إلى حياة مليئة بالصعاب، فقد رزقت بطفلين معاقين شكلا غصة في قلبها، غير أنها آمنت بأن ابنيها لا بد أن ينعما بحياة طبيعية هانئة، ويأخذا حقيهما كاملين.

فرحتها الآن تكتمل بأبنائها الذين حصلوا على أعلى الشهادات العلمية، ليكونوا مصدر فخر للجميع.

ابنها نبيل المصاب بإعاقة حركية شديدة حصل على درجة دكتوراة في الفلسفة والاجتماع، وهو الآن من أشهر الصحافيين في بريطانيا، فضلا عن أنه كاتب سيناريو لأفلام شهيرة في هوليوود.

أما ابنتها جيجي التي تعاني من الإعاقة نفسها، فهي حاصلة على ماجستير في الإخراج التلفزيوني من لندن، وتدرس الاخراج السينمائي، وابنها أحمد أول مهندس فضاء في الأردن، وهناك سوزان التي حصلت على الماجستير، وثلاثة أبناء من زوجها الثاني حاصلون ايضا على الشهادات العليا.

"صراع مع القدر" كتاب استجمعت به نزيهة تجربتها الشخصية بمرها قبل حلوها، ليلمس فيه القارئ تلقائية الكاتبة وصدقها وهي تروي قصة حياتها بعيدا عن التصنع والتكلف الأدبي.

جاء اختيارها لاسم الكتاب بعد طول تردد، فقد تغلبت على المحن والشدائد، ولو لم تكن مثابرة قوية لكانت نهايتها محزنة: صارعت المحن، وانتصرت بفضل ايمانها بالله.

الكتاب الذي يروي قصة حياة نزيهة محمد عيسى في 209 صفحات يرصد معاناة هذه المرأة خلال أكثر من 50 عاما.

تصف نزيهة في كتابها مشاعر اليأس والألم التي مرت بها، حين تقسو الظروف، ويظن الإنسان أن لا نجاة، ولكن في مقابل كل هذا تبدأ خيوط الأمل بالظهور.

منذ ولادتها لم تعش طفولتها الطبيعية التي ينعم بها أقرانها، إذ اتصف والدها بأنه "كان ظالما وقاسيا يضربها لأصغر الأسباب". أما زوجة الأب فقد كانت تتعمد أن تضايقها بجميع الوسائل، بعد أن تركتها والدتها صغارا هي وإخوانها، لتتزوج من رجل آخر وترحل بعيدا.

النجدة من تلك الحياة جاءت بزواجها بابن خالتها محمد شعبان، وهي ما تزال في الثالثة عشرة من عمرها، لينسيها جميع المتاعب التي شعرت بها، لكن المصاعب بقيت ملاحقة لها على مر الأيام.

الألم والمعاناة لدى نزيهة تمثلا بقسوة الأيام، فقد ولدت طفلين مصابين بمرض هشاشة العظام، وعاشت معهما تجربة أليمة خلال إقامتها حينها في بريطانيا مع زوجها، ووجدت لطفليها الرعاية الصحية التي وفرت لهما الراحة والأمان.

كل مرحلة في حياة نزيهة كانت مليئة بالألم واليأس، ما جعلها تفكر في الانتحار أكثر من مرة، خصوصا مع مرض زوجها ورفيق دربها محمد شعبان وموته بعد معاناة مع مرض اللوكيميا وهو ما يزال في السابعة والعشرين من عمره، تاركا إياها وحيدة وسط ظلمة الأيام وقلة الحيلة، ومع أطفال لا تدري كيف سيكون مصيرهم.

وتؤكد أن موت زوجها ورفيق دربها شكل لها صدمة حقيقية، فهذا الرجل نشلها من حياة بائسة إلى حياة مليئة بالحب والأمان، تعلمت منه أمورا بقيت ملازمة لها طوال حياتها، مثل الثقة بالنفس، والاعتماد على الذات، والتمتع بالشخصية القوية، وحب التعلم.

غير أن حياتها لم تتوقف، فسرعان ما استجمعت قوتها، وتحدت كل ما يقف بطريقها، مصرة على أن تجترح المستحيل وتضحي من أجل أبنائها، سهرت وتعبت وجازفت من أجل توفير حياة هانئة لأبنائها وسط كثير من الصدمات التي لاحقتها.

سنوات طويلة أمضتها نزيهة في العمل بلندن وعمان وطرابلس الغرب، وفي وظائف متعددة، من أجل تأمين حياة هانئة لأبنائها، ولكن كانت تشعر أن كل مرحلة من حياتها، تأتي أكثر صعوبة من التي سبقتها، إذ واجهت متاعب كثيرة وهي تفكر في طفليها اللذين يعالجان في لندن، وبقية أولادها الذين يحتاجون كل الحب والرعاية.

في تلك المرحلة، رفضت العديد من عروض الزواج، إذ شعرت أنها لن تستطيع أن تعيش مع رجل آخر، فهو لن يقدم لها ما قدمه زوجها الراحل محمد شعبان.

لكن نظرة المجتمع وإصرار والدتها وأقاربها على ضرورة زواجها كونها ما تزال صغيرة، وحاجة طفلها الصغير أحمد إلى أب يكون إلى جانبه، دفعها إلى قبول الزواج من رجل آخر، والذي تؤكد أنها لم تشعر معه بالسعادة، فجميع حواسها كانت ما تزال مع زوجها الأول.

استطاعت نزيهة أن تجيب في كتابها على العديد من التساؤلات المطروحة في صراع الإنسان مع الحياة في ظل ظروف قاهرة، أثبتت فيها أن الصبر والإيمان يوصلان إلى البر والأمان.

نزيهة تهدي هذا الكتاب إلى كل امرأة اجتازت تجربة حياتية مماثلة، وإلى كل امرأة وضعتها الأقدار في اختبار الذات، وحاولت اجتياز الاختبار بمهارة وعزيمة جبارة عالية لتؤدي رسالتها في هذه الحياة وتظفر بمستقبل مشرق.

كما تهديه الى كل فتاة تنبض في عروقها الحياة المتجددة، وتدعوها أن تجعل الايمان بالله كبيرا، وأن تلجأ إليه حين تظلم الحياة وتتكاثر همومها.

الفصل الأول من الكتاب استغرق معها أكثر من 3 سنوات، وذلك بسبب نوبات البكاء التي أصابتها عندما بدأت في كتابة السطور الأولى من الكتاب، وهي تستذكر المواقف المؤلمة التي مرت بها في مراحل حياتها المختلفة.

ولكنها أصرت على أن يستفيد الآخرون من تجربتها، ويكون هذا الكتاب لكل إنسان مرّ بتجارب حياتية صعبة، جعلته حبيسا لليأس والقهر، وبفضل إيمانه والتجائه إلى الله خرج من تلك الصعاب واستعاد قوته بالصبر.

حصلت نزيهة على دبلوم معهد المعلمات في طرابلس، في العام 1977، وأسست مدرسة الرابية في جبل الهاشمي في عمان، وعملت مديرة عامة لمدارس الرابية.

تبين أن كتاب "صراع مع القدر" عبّر عن جميع مشاعرها وأحاسيسها، وهي لم تود أن تضفي عليه طابعا أدبيا، لإيمانها أن اللغة التي اختارتها في الكتاب ستكون سهلة ومبسطة وتدخل عقل وقلب كل من يقرؤه، لعل تجربتها تساعدها في إحياء الأمل عند فاقديه.