أولويات وخطط قطاع المياه لعام 2024

م. إياد الدحيّات
م. إياد الدحيّات
تصدر واجهة النقاش، خلال الفترة الأخيرة، الحديث عن مستقبل استدامة المياه والأمن المائي في المملكة بعد الأحداث والتوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، وضرورة اتخاذ الإجراءات التي من شأنها تحسين كفاءة إدارة الملف المائي والعمل على دعم وتنفيذ وتمويل مشاريعه المتعددة من الموازنة العامة للدولة ومن خلال الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص. ومن أهم هذه المشاريع تطوير مصادر المياه وتخفيض نسبة الفاقد المائي وتطبيق الحلول التقنية وتقليل كلفة إنتاج وتوزيع المياه، مع التأكيد على المضي قدماً دون أي تأخير في تنفيذ مشروع تحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمان (الناقل الوطني للمياه)، وحسب توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني (حفظه الله ورعاه)، باعتباره أولوية وطنية لإفساح المجال للنمو الاقتصادي في المملكة والنهوض بنوعية حياة المواطنين.اضافة اعلان
والتزاماً بالتوجيهات الملكية السامية، تم إيلاء مشروع الناقل الوطني للمياه أولوية في الموازنة العامة لعام 2024 من خلال رصد مخصصات مالية تبلغ قيمتها 50 مليون دينار أردني ضمن بند مشاريع الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص، ومخصصات مالية إضافية مقدارها 50 مليون دينار أردني تأشيرياً في موازنة كل عام من 2025 و2026، إضافة لتأمين منح وقروض ميسرة بقيمة تزيد على مليار دولار أميركي سيتم الالتزام بها كدعم مالي مباشر من الحكومة الأردنية في المشروع كونه مشروعا وطنيا يؤثر في كافة القطاعات الأخرى، وبهدف تخفيض سعر المتر المكعب للمياه المحلاة وتحقيق الغلق المالي له بعد الانتهاء من تحليل وتقييم العرض الوحيد فنياً ومالياً ووفق الجدول الزمني المعد. ومن الضروري بمكان التوسع في تنفيذ مشاريع أخرى لتحلية مياه البحر لخوض معركة تحقيق الأمن المائي، وعدم الاعتماد على المياه الجوفية المستنزفة في المدى الطويل كونه يحمل مخاطر كبيرة اجتماعياً واقتصادياً ويشكل معضلة استراتيجية، مع ما تشهده المملكة من زيادة في الطلب على المياه بسبب النمو المتسارع في عدد السكان وتبدل في نمط المعيشة ومتطلبات الاستثمارات والتنمية الاقتصادية والزراعية، وفي ظل التغيرات العميقة للمناخ. وهذا يحتم وضع الخطط اللازمة لإعداد المرحلة الثانية من مشروع الناقل الوطني وتنفيذ محطة تحلية أخرى في مدبنة العقبة وبقدرة 300 مليون متر مكعب، لتربط على الخط الناقل الوطني الاستراتيجي الذي سيتم تنفيذه ضمن المشروع الحالي. ومن الجدير ذكره أن مشاريع تحلية مياه البحر قد أصبحت مورداً مائياً رئيسياً ومستداماً في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تسجل حوالي 48 % من الإنتاج العالمي اليومي من المياه المحلاة، في حين بلغت قيمة مشاريع محطات تحلية المياه المخطط لها أو تلك قيد التنفيذ فيها لعام 2023 مبلغاً إجمالياً قدره 39 مليار دولار أميركي، ومنها مشروع الناقل الوطني للمياه الحالي الذي سيعمل على تحلية مياه البحر الأحمر في خليج العقبة.
ويعد البحر الأحمر من أكثر المياه ملوحة في العالم، وذلك بسبب ارتفاع معدل التبخر وقلة الأمطار وعدم وجود أنهار كبيرة أو جداول تصب في البحر، حيث يبلغ متوسط الملوحة فيه 41 %، وهو أعلى من متوسط ملوحة مياه البحر في العالم البالغ 35 %. وبالتالي سيعتمد مشروع الناقل الوطني للمياه تقنية تحلية التناضح العكسي التي ستعمل على إزالة الأملاح وملوثات مياه البحر لإنتاج المياه العذبة، من خلال أربع مراحل؛ أولاها إزالة العوالق والأتربة، وثانيتها استخدام المضخات ذات الضغط العالي اللازم لعبور الماء من خلال الأغشية وحجز الأملاح، وثالثتها التي يبدأ فيها دور الأغشية المسامية التي تسمح بنفاذ الماء دون نفاذ الأملاح الذائبة وتمنع مرور الفيروسات والجراثيم والملوثات الكيميائية معها، ورابعتها يتم فيها إعادة ضبط خصائص الماء وإضافة الكلور للتعقيم ليصبح جاهزاً للاستخدام. أما المياه الزائدة ملوحتها والناتجة عن عملية التحلية، فيمكن إعادة طرحها في البحار وفق ممارسات بيئية متخصصة، وما تزال هنالك حاجة لمزيد من الأبحاث العلمية لبيان بدائل صناعية وزراعية للاستفادة منها.  
ومن البدائل التي يكثر الحديث عنها استغلال آبار المياه العميقة في المملكة، حيث تعددت وجهات النظر حول إمكانية الاستفادة منها من عدمها. وبهدف تعزيز المعرفة واستغلال طبقة المياه الجوفية العميقة في المملكة بشكل عام وحوض الديسي بشكل خاص والتي تتجاوز أعماق 1000 متر، يجب العمل في عام 2024 على تحديث الدراسات الفنية وتقييم المشاريع السابقة التي قامت بها وزارة المياه والري، من خلال بناء نموذج ثلاثي الأبعاد بهدف بيان واقع حالها والتحديات التي رافقت حفرها وتنفيذها وتشغيلها وبيان أعماقها وماهية نوعيتها ومواصفاتها وكلف معالجتها. ومن الضرورة بمكان إشراك الخبراء المختصين في نقابة الجيولوجيين في مراحل مختلفة من هذه الدراسات بهدف تحديث المعلومات وتوحيد قواعد البيانات المتوفرة عن آبار المياه العميقة.
وبموازاة ذلك، يمكن الاستفادة من الخبرات التراكمية والتجهيزات والآليات لدى شركة البترول الوطنية وتوفير الدعم المالي والتقني لها من خلال شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص المحلي والعالمي، ليصبح من غاياتها الاستكشاف والتنقيب في مناطق امتيازها عن آبار المياه العميقة بالإضافة للبترول والغاز، حيث إن التنقيب عن النفط يبدأ بمعرفة حركة المياه الجوفية في الطبقات الأرضية العميقة لتحديد الأماكن التي من الممكن أن تكون تحتوي تجمعاً للنفط، ويتبع التنقيب لهما نفس طرق الحفر الدورانية. ويمكن كذلك توقيع مذكرات تفاهم فرص استثمارية مع الشركات العالمية لتنفيذ الدراسات لاستكشاف والتنقيب عن المياه العميقة والدخول في اتفاقيات شراكة مع الحكومة الأردنية، تتحمل فيها هذه الشركات جميع النفقات المترتبة على أعمال الحفر والمسوحات ومعالجة المياه العميقة وإيصالها لخطوط المياه الناقلة الرئيسية، مقابل سعر ثابت تقوم الحكومة الأردنية بدفعه مقابل كل متر مكعب من هذه المياه، بحيث يكون سعر تحلية المياه في مشروع الناقل الوطني للمياه هو السعر القياسي المرجعي الأعلى لغايات المقارنة وتحديد الجدوى المالية من هذا البديل.     
وتنفيذاً لاستراتيجية قطاع المياه (2023-2040) بهدف تخفيض نسبة الفاقد المائي للوصول إلى نسبة 25 % في عام 2040، تضمنت موازنة وزارة المياه والري والدوائر التابعة لها لعام 2024 مخصصات مالية رأسمالية بقيمة 40 مليون دينار أردني لتخفيض فاقد المياه ومخصصات مالية رأسمالية بقيمة 73 مليون دينار أردني لتأهيل وتحسين شبكات وخطوط المياه في المملكة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة للإفصاح عن نسبة فاقد المياه الكلية المستهدف تخفيضها في كافة محافظات المملكة وكميات المياه الإضافية التي سيتم توفيرها للمواطنين نتيجة ذلك، وانعكاسه على نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في فصل الصيف المقبل الذي يمثل ذروة الطلب على المياه، وأثره المالي على قيمة الدعم المقدم لقطاع المياه والبالغ 290 مليون دينار أردني في عام 2023. كما أن هنالك حاجة ماسة لتحسين الكفاءة التشغيلية للقطاع من حيث استخدام التكنولوجيا الحديثة في قراءة وإصدار وتحصيل فواتير المياه المترتبة على المواطنين وأصحاب الآبار الخاصة، بما فيها تحصيل الديون المترتبة عليهم والتي تصل إلى ما يناهز 300 مليون دينار أردني، وإدخال أنظمة التحكم الآلي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة بشكل أكبر في تشغيل مرافق المياه الرئيسية من محطات ضخ وتنقية وتحلية، مما سيؤدي لتخفيض النفقات التشغيلية، وإيجاد حلول عملية ومستعجلة وأهداف سنوية لوضع حد لتدهور أداء شركة مياه اليرموك المالي المستمر (المملوكة لسلطة المياه)؛ حيث بلغ متوسط خسائرها السنوية 50 مليون دينار، يتم إطفاؤها سنوياً ضمن الموازنة العامة والحسابات الختامية للحكومة، مما يسهم في زيادة قيمة الدين العام. 
ولعل أحد أهم البرامج التي يجب العمل عليها؛ تعزيز وتطوير الخطاب الإعلامي لضمان نجاحه في رفع مستوى الوعي العام لدى فئات المجتمع المختلفة حول مخاطر إساءة استخدام المياه، باعتبار المملكة من أفقر دول العالم مائياً، وبيان أسباب ونتائج الاعتداءات على مصادر المياه بشكل منهجي، وإدماج الشركاء جميعاً في إيجاد الحلول للتحديات والإبلاغ عن الإنجازات في قطاع المياه في الأردن، وجعل قضايا المياه المتعددة أولوية دائمة في وسائل الاتصال المختلفة محلياً ودولياً.