الاستثمار الوطني والتعليم المهني التكنولوجي

د.ابراهيم بدران
د.ابراهيم بدران
في تصريحه حول اهتمام الوزارة بالتعليم المهني والعمل على تطويره، صرح وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة «أن الوزارة تولي التعليم المهني الأولوية القصوى ضمن خططها وبرامجها التطويرية، وأنها بدأت بحملة إعلامية لتوضيح البرامج وتحفيز الطلبة للالتحاق بالتخصصات المهنية الجديدة». خاصة وأن إقبال الطلبة على هذا التعليم لا يزال متواضعا ولا يتعدى 11 % من مجموع الطلبة الخريجين، في حين تهدف الوزارة للوصول إلى 50 % بحلول العام 2033، وهو هدف طموح تماما حيث يتحقق مثل هذا الرقم في دول صناعية متقدمة منها سويسرا وألمانيا. وقبل ذلك بأيام قليلة، كان هناك تصريح لوزيرة الاستثمار الدكتورة خلود السقاف «بأن الأردن يبذل جهوداً كبيرة لجذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة وأنه يتمتع ببيئة استثمارية جاذبة.»اضافة اعلان
 وهنا لا بد من الإحاطة المبكرة بمتطلبات التعليم المهني التكنولوجي المتقدم الجاذب للطلبة ومستلزمات نجاحه، و»أهمها تطوير مسار الاقتصاد الوطني ليتجه نحو التصنيع الحديث في مختلف قطاعاته الإنتاجية والخدمية»، حتى لا يتراكم خريجو التعليم المهني خلال سنوات قليلة ليصبحوا عاطلين عن العمل كما هو الحال في الخريجين الجامعيين، حيث تصل نسبة البطالة لديهم 28 %. ذلك أن المنبع الأساس لفرص العمل على مستوى المجتمع بمختلف فئاته وتخصصات المتعلمين فيه، هي المشاريع الجديدة والنمو الاقتصادي بمعدلات مقبولة لا تقل عن 4 % في البلدان النامية ونحن منها. واذا أخذنا اقتصادنا خلال السنوات الماضية نجد ان معدل النمو الاقتصادي كان يتأرجح بين 2 % و 2.6 % ومثل هذا المعدل المتواضع للنمو لا يستطيع توليد أكثر من 30 إلى 40 ألف فرصة عمل سنوياً، في حين أن الزيادة في قوة العمل الأردنية نتيجة للنمو السكاني الطبيعي تزيد على 100 ألف شخص سنويا.  وإذا كان الجهاز الوظيفي الرسمي قادرا على توليد  10 آلاف وظيفة سنويا، فإن أكثر من 50 ألف باحث عن عمل مرشحون سنوياً للانضمام الى قافلة البطالة إذا استمرت الأمور على حالها. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن التقدم السريع على مستوى العالم في التكنولوجيات الرقمية وخاصة الروبوتية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والماكنات المسيرة ذاتيا، كل ذلك سيضيق من فضاء الوظائف التقليدية لتحل محلها وظائف من نوع مختلف تماما. واذا كانت البطالة مرتفعة لدينا في خريجي ما بعد الدراسة الثانوية وتتجاوز 50 % من مجمل العاطلين عن العمل، فإن خريجي التعليم المهني سيكونون مرشحين للالتحاق بهم اذا لم تأخذ الادارة الموضوع مأخذا جاداً وعمليا. وهذا يتطلب أولاً: إعادة النظر في موضوع الاستثمار، والانتقال من التركيز على المستثمر الأجنبي (مع الاحترام والتقدير) إلى التركيز على المستثمر الوطني على طريق الاقتصاد الاجتماعي. ثانياً: وضع الآليات والضوابط والمحفزات التي تدفع المستثمر الأجنبي إلى الاستثمار في المشاريع الإنتاجية الجديدة وفي المحافظات كلما أمكن ذلك، بدلاً من شراء المشاريع القائمة أو الذهاب إلى المشاريع العقارية. ثالثاً: عدم التعلق بالمشاريع الكبرى فقط، وإنما الاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة والتي هي العمود الفقري لأي اقتصاد نشيط متقدم، وبالضرورة تفسح فرصاً واسعة تماما للوظائف. رابعاً: العمل المبرمج لتخفيض كلفة الإنتاج وكلفة الاستثمار لتفعيل الديناميكية الاستثمارية وتعزيز المركز التنافسي للبلاد. خامساً: ضرورة انخراط مؤسسات رسمية، ولو لفترات زمنية محدودة، في التشارك مع البنوك والصناديق الاستثمارية الوطنية لإنشاء وتمويل المشاريع بالشراكة مع الجمهور من خلال شركات مساهمة عامة. سادساً: الترتيب مع الصناعات الكبرى لتوسيع سلاسل الإنتاج لتشمل منتجات متنوعة (صناعات قبلية وبعدية) منبثقة عن الصناعة الرئيسة الكبرى، كما أشار جلالة الملك عبدالله الثاني إلى شركة البوتاس، ومثلها الفوسفات والصناعات الدوائية والكيميائية الأخرى وغيرها.
 وفي جانب التعليم المهني التكنولوجي، فإن جملة من الترتيبات أصبحت ضرورية ومنها أولاً: الإعداد والتأهيل الجيد للمدربين والمعلمين والصفوف والمدارس والمشاغل دون استهانة أو تسرّع. ثانيا: التأكيد على الجوانب التكنولوجية العملية في التدريب، أي الانتقال من المهنية التقليدية إلى التكنولوجية في كل تخصص. ثالثاً: تعليم مادة «الريادية وإدارة المشاريع» كمادة رئيسة باعتبارها المجال الرحب والأساسي لفتح آفاق جديدة للعمل لكل طالب بذاته. رابعاً: تمكين الطالب من «مهارات صنع الأشياء» و»مهارات الإبداع» حتى يكون قادراً على توظيف هذه المهارات في الجانب العملي الذي سينخرط فيه وفي بناء مستقبله وفق طموحاته وإمكاناته. خامساً: التعاون والتشارك المتكافئ مع القطاعات المختلفة بتخصصاتها المتنوعة عند إنشاء مراكز التعليم أو وضع البرامج التعليمية حتى لا تكون هناك فجوات واسعة بين التعليم المهني والواقع العملي.
وأخيراً فإن التعليم المهني يعتمد نجاحه على مدى قربه من الواقع الصناعي والإنتاجي الزراعي والخدماتي القائم فعلاً، وعلى تنشيط المشاريع الجديدة والاستثمار فيها بالشراكة مع المجتمع وتمكين المتدرب لبناء مستقبله بالاعتماد على ما اكتسب من علم وتكنولوجيا ومهارات.