الجامعات والتربية الإعلامية

تعبيرية
تعبيرية

إن مفهوم التربية الإعلامية ليس بحديث، فقد ظهر في أواخر الستينيات من القرن الماضي، عندما بدأ الخبراء بالاهتمام باستخدام أدوات الاتصال ووسائل الإعلام كوسيلة تربوية لتحقيق منافع تربوية ملموسة، وبحلول السبعينيات من القرن الماضي بدأ النظر إلى التربية الإعلامية على أنها تعليم بشأن الإعلام ومشروع دفاع يتمثل هدفه في حماية الأطفال والشباب من المخاطر التي استحدثتها وسائل الإعلام، وتم التركيز على كشف الرسائل المزيفة وتشجيع الطلبة على رفضها وتجاوزها، وفي السنوات الأخيرة من القرن الماضي تطور مفهوم التربية الإعلامية من مشروع دفاع إلى مشروع تمكين يهدف إلى إعداد الشباب لفهم الثقافة الإعلامية التي تحيط بهم، وحسن الانتقاء والتعامل معها، والمشاركة فيها بصورة فعالة ومؤثرة.اضافة اعلان
ومن هنا يمكن القول أنه ينظر إلى التربية الإعلامية بأنها التعليم والتعلم بشأن الإعلام، فالأطفال والشباب هم المستهلك الرئيسي للخدمات الإعلامية، وبالإضافة إلى ما يختارونه بأنفسهم من مواد إعلامية يشغلون بها أوقات فراغهم، يستمد الأطفال جانباً مهماً من تعلمهم من وسائل الإعلام، فقد أصبح الإعلام جزءاً من الخلفية الثقافية التي تحيط بالصغار والكبار على حد سواء.
ويتم وصف التربية الإعلامية في إطار العالم الحديث كعملية بناء الإنسان، والمساعدة على جودة استخدام وسائل الإعلام، وتهدف إلى تشكيل ثقافة التفاعل مع تلك الوسائل، وتنمية المهارات الابتكارية والاتصالية، والتفكير الناقد، والاستقبال، والتفسير، والتحليل، وتقييم النصوص الإعلامية، وتدريس جميع صور التعبير الذاتي باستخدام تكنولوجيا الإعلام، فالتربية الإعلامية تشجّع على التأمل بالقيم الشخصية، وتتضمن دمج التقنيات الحديثة في التعليم، وتشجع حركة الإصلاح التربوي كما تشجّع الحوار في قاعات الدراسة وخارجها.
في الوقت الحاضر فإن على الجامعات أن تعي أهمية ودور الإعلام في مواجهة التحديات المعاصرة كمجال يمكن توظيفه في الحقل التربوي، ويجب أن يتم تفعيل دور التربية الإعلامية في الجامعات بسبب زيادة الوعي والإدراك لدى الطلبة في الاستفادة من المضامين الفكرية التي يقدمها الإعلام المبنية على أسس علمية سليمة سواء أكانت على مستوى الفرد أم المجتمع، فهي تعمل على تنمية التفكير الناقد لدى أفراد المجتمع مما يؤدي إلى اكتساب مهارات المقارنة والتحليل، ومهارات اتخاذ القرار ومهارات حل المشكلات، وأيضاً تعزز التربية الإعلامية ثقة الفرد بنفسه كونها تقدم له صورة شاملة عن البيئة الإعلامية من حيث وسائلها المختلفة، ومقدرة الفرد أن يكون جزءاً منها كنتيجة للتطور التكنولوجي، الأمر الذي يتيح له أن يكون مشاركاً في تحقيق الأمن المجتمعي، وعلى مستوى المجتمع بشكل عام تعد التربية الإعلامية عاملاً مهماً في نشر ثقافة الحوار، فينشأ جيل إيجابي قادر على المشاركة بفعالية في تنمية مجتمعه وتقدمه وبناءه ومواجهة التحديات التي تقف أمامه.
ويجب أن يتسم مضمون التربية الإعلامية في الجامعات بمجموعة من الخصائص والصفات التي تستند على عدة محاور توائم عصر الثقافة الرقمية لإخراج جيل قادر على مواجهة التحديات الثقافية في ظل التطور الهائل والزخم الإعلامي لتحقيق الوعي الإعلامي لطلبتها، ومن بينها حماية النشء والشباب من التأثيرات السلبية لوسائل الإعلام ومضامينها المختلفة خاصة في زمن العولمة، وتنمية مهارات التفكير الناقد، وإكساب طلبة الجامعات المبادئ الأساسية لتحليل وتفسير ونقد كل ما يقدم من مضامين إعلامية ذات أهداف مقصودة وغير مقصودة، وإمداد طلبة الجامعات بالمعلومات والمعارف اللازمة لمساعدتهم لفهم الأيدولوجيات الخاصة بوسائل الإعلام، وتكوين جيل قوي ومنتج ومبدع يساهم في تنمية بلاده، فالتربية الإعلامية كالمؤسسات التربوية تُعلم لنقرأ وتُعلم لنراقب وتُعلم لنستمع.
*باحث متخصص في التربية الاعلامية