المطامع الصهيونية على الدول العربية: الأردن نموذجا (1 من 3)

شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)
شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)
د. زياد محمد الزعبي*

البداية
في غرفة في الطابق الثالث من المبنى المثبت على بابه الحديدي رقم 10، والواقع في شارع داوننج ستريت بقلب لندن، تسمى هذه الغرفة بغرفة التأمل (نعم هي للتأمل)، جلس رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانيرمان في العام 1905 يتأمل خريطة للعالم، ويركز فيها على المنطقة المسماة أوروبا، وجنوبها البحر الأبيض المتوسط، وشرقها تمتد الدولة العثمانية من حدود روسيا الجنوبية إلى المحيط الهندي، أما الشمال الأفريقي الذي كان جزءا من هذه الإمبراطورية الإسلامية، واستعمرته بريطانيا وفرنسا  من السكان العرب المسلمين. اضافة اعلان
تتشابك العلاقات عبر الحدود المرسومة طوليا على الأوراق، دون وجودها الفعلي على الأرض، سكان يلتقون مع جيرانهم عبر البحر الأبيض والأحمر والصحراء، تجمعهم  جذورهم التاريخية، ويتحدثون اللغة نفسها، ويدين غالبيتهم بالدين نفسه.
قال في نفسه: "ماذا لو اتحدت هذه البلاد بالصدفة، أو بفعل فاعل، ستفصلنا هذه الدولة إن قامت عن آسيا وإفريقيا، ونصبح معزولين عن بقية العالم".. تيقظ الحس الاستعماري المتعالي في نفسه، وكتب: "لا بد من عمل شيء يمنع حدوث هذا". 
على عشاء عمل، جلس بانيرمان والبروفسور جيمس، وهو خير من كتب في أمر سقوط الإمبراطورية الرومانية، وثلاثة آخرون، واستذكروا كتاب لوي مادلين عن نشوء وزوال إمبراطورية نابليون، وقال: "تعلمون أنني مهتم بفلسفة التاريخ، إنني أرى أن أوروبا مقسمة إلى دول بينها خلافات، ومواردها تقل، وحين نظرت إلى الخريطة المحيطة بأوروبا، وجدت أن البحر المتوسط يفصلنا عن شعب يتحدث اللغة نفسها، ويدين بدين واحد، وله تاريخ مشترك، وجزء منه ما يزال تابعا لدولة عثمانية مريضة. فماذا نفعل إزاء هذا الأمر؟".
وبعد مناقشة ما ورد في الكتابين ومخاوف بانيرمان، تم اقتراح: ماذا لو ناقشنا هذا الأمر في مؤتمر أوروبي ندعو له الدول الاستعمارية الأوروبية؛ بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وهولندا، وندعو خبراء في الإستراتيجية، وعسكريين، وأساتذة في السياسة والتاريخ والأديان والزراعة والنفط؟
استمرت جلسات المؤتمر في لندن سنتين، وفي عام 1907 اعتمدت وثيقة صادرة عن المؤتمر تقول فيها: "البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، إلا أنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والإفريقية، وملتقى طرق العالم، أيضا هو مهد الأديان والحضارات، ولكن الإشكالية أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص؛ شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان".
وتم اعتماد النص النهائي للتوصيات من لجنة الاستعمار وجاء فيه: "على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخر المنطقة، وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها البعض".
وتابع النص: "وكوسيلة أساسية مستعجلة، ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة".
المنظمة الصهيونية، عبر أذرعها في دوائر الحكومة البريطانية، تتابع المؤتمر رغم سريته في أول مؤتمر للمنظمة الصهيونية العالمية، بعدها تقرر أن تكون فلسطين وطنا قوميا لليهود، وأسقطت الخيارات الأخرى. 
لم يطل الأمر، بعد 8 سنوات أنجبت وثيقة بانيرمان ابنة غير شرعية وهي اتفاقية سايكس بيكو، ولحقها ابن غير شرعي وهو وعد بلفور.
من هنا بدأت الحكاية؛ مؤامرات تتبعها مؤامرات، لمن خطط في لندن وباريس وغيرهما من العواصم بسرية تامة.
الصهيونية الدينية
كانت تعمل على توطين اليهود في كيان قومي منذ بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة بجوار المناطق التي يعتبرون لها أهمية دينية بالنسبة لليهود، وقاموا بإنشاء وكالات تمويلية لهذا الغرض جمعت أموالاً من يهود أوروبا وأميركا، ومولت شراء أراضٍ واسعة في فلسطين، إما مباشرة أو عن طريق وسطاء كما حدث مع عائلة سرسق اللبنانية، التي كانت تشتري الأراضي التي تطرحها الدولة العثمانية بالمزاد، والتي كانت تستولي عليها من أصحابها الفلاحين حين لا يقدرون على دفع الضرائب المفروضة على محاصيلهم، حتى وصلت ممتلكاتهم في مرج بني عامر إلى أربعماية ألف دونم. 
نشأت أفكار بإقامة وطن قومي لليهود تزعمها ثيودور هرتزل اليهودي، والذي بدأ بنشر الفكرة بين يهود العالم، ولم تكن هناك حماسة قوية بين اليهود لأسباب عدة، ومن هنا دعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، والذي عقد في مدينة بازل وعنوانه الرئيس إنشاء وطن قومي لليهود، ولم تحدد أي أرض لهذا الوطن، ولكن ذكرت خيارات فلسطين والأرجنتين وأوغندا.
كانت فلسطين التابعة في ذلك الوقت للدولة العثمانية هي الخيار المفضل لأسباب دينية لدى اليهود المتدينين، وأُعترض عليها من قبل الفرنسيين والروس لأسباب دينية أيضا، وتوالت المؤتمرات الصهيونية كل عام في مدن أوروبية مختلفة حتى المؤتمر الثامن الذي عقد في لاهاي في هولندا (14 -21 آب/أغسطس 1907) أي في العام نفسه الذي صدرت فيه وثيقة بانيرمان، وطالب حاييم وايزمان الذي تولى قيادة المؤتمر بعد وفاة هرتزل، بدمج الصهيونية الدينية بالسياسية، وتوجت هذه بقرارات المؤتمر التاسع بأن فلسطين ستكون هي مكان الوطن القومي لليهود، وبهذا يتوافق هذا القرار مع رؤية بانيرمان، وتحولت الصهيونية الدينية إلى صهيونية سياسية.
السؤال المطروح: هل كانت فلسطين في ذلك الوقت لها حدود معرّفة مع جيرانها، وما هو تعريف الأرض المسماة بفلسطين؟ تاريخيا أيام الدولة الأموية، كانت المنطقة مقسمة لأجناد؛ جند فلسطين، جند الأردن، جند دمشق..الخ، وكانت جند الأردن تضم الجولان وحوران من المفرق شرقا إلى البحر المتوسط غرباً، وتمتد على البحر من صيدا شمالاً إلى حيفا جنوباً. 
أما جند فلسطين فكانت تضم ما يسمى الآن البلقاء شرقاً، التي كانت تتبع نابلس جنوباً إلى معان، وغرباً إلى البحر من حيفا حتى بئر السبع ثم إلى العقبة.
حين انهارت الدولة العثمانيه، وتقرر وضع فلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني، مقابل سورية، للانتداب بل الاحتلال الفرنسي، حسب اتفاقية سايكس بيكو، قرر تشرشل رسم حدود فلسطين من بحيرة الحولة شمالا مرورا ببحيرة طبرية إلى البحر الميت، ثم بخط مستقيم إلى العقبة جنوبا. 
هذا التقسيم اعترض عليه هربرت صموئيل، المندوب السامي البريطاني في فلسطين والذي كان صهيونيا، وكان يعتبر الحدود الشرقية لفلسطين هي الخط الحديدي الحجازي وليست نهر الأردن، إلا أن تشرشل قرر حين أصبح رئيسا للحكومة البريطانية، أن نهر الأردن هو الحد الفاصل ما بين الأردن شرقاً وفلسطين غرباً، ومن هنا جاءت تسمية شرق الأردن، والتي كانت تعني شرق النهر. 
تأسيس إمارة شرق الأردن
مناقشات ساخنة يقودها وزير المستعمرات البريطانية ونستون تشرشل؛ لبحث أوضاع المستعمرات. تشكلت لجنة فرعية برئاسة تشرشل، وعضوية صموئيل وكونجريف ولورنس ويونغ، وعقدت اجتماعات في فندق شبرد بالقاهره في 12 آذار(مارس) 1920، تساءل تشرشل: "لماذا لا نشكل حكومة عربية في شرق نهر الأردن؟" قال يونغ: "لقد أعدت دائرة الشرق الأوسط تقريرا، وملخصه ضرورة وضع هذه المنطقة تحت قيادة حاكم عربي مقبول لحكومة صاحب الجلالة".
وعلق لورنس: "الشريف حسين مستاء جداً من نكث الوعود البريطانية الواردة في مراسلاته مع مكماهون". صموئيل: "هذه المنطقة الواقعة شرقي النهر هي ضمن الانتداب البريطاني، ويجب ألا تكون دولة عربية مستقلة، والمشكلة كيفية التعامل مع الشريف (الأمير) عبدالله الموجود هناك، وما يزال الملك فيصل ملكا على سورية، ويعد العدة للثورة على الفرنسيين، ويقوم باتصالات مع الكماليين والمتنفذين السوريين، كما سيسبب وجوده هياجاً ضد الصهاينة في فلسطين، ولن نستطيع منع الغارات من هذه المنطقة على فلسطين".
بعد مناقشات توصلوا لنتيجة: "لنكوّن كيانا نُرضي به الشريف عبدالله بن الحسين ووالده، ويكون موطنا للعرب الذين سينزحون من فلسطين بعد تكاثر اليهود، ونؤمن الحدود الشرقية مع الأراضي السورية المستعمرة من فرنسا، والغربية مع فلسطين، وكبح جماح الثوار ضد الفرنسيين وضدنا في فلسطين". هذا ما صرح به كيركبرايد بعد زيارة تشرشل، وتمت دعوة الشريف(الأمير) إلى اجتماع في القدس.
اقترح الأمير تكوين إمارة من فلسطين وشرق الأردن، ويكون نظامها مماثلا للنظام العراقي من حيث علاقتها بالمندوب السامي. رفض تشرشل الاقتراح وقال إن لفلسطين وضعاً مختلفاً عن العراق، فلقد قطعنا شوطا بعيداً في توطيد نظام حكم مختلف في فلسطين.
واقترح الأمير: "إذا تم فصل شرق الأردن عن فلسطين، أن يضم إلى العراق". قال تشرشل: "هذا غير ممكن الآن، وإن الأمير عبدالله بصفته ممثلاً للعائلة الشريفية الهاشمية، عليه كحاكم أن يختار كبار المسؤولين، وشرقي الأردن لن يدخل في نطاق النظام الإداري القائم حالياً في فلسطين، وبذلك يستثنى من وعد بلفور والسياسات الصهيونية القائمة فيها". 
وقال صموئيل: "لا بد من التوضيح بأن حكومة جلالته ملتزمة بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وهذه ليست موضع نقاش". 
كانت نظرة الصهاينة غير المعلنة، ويتبناها تشرشل، أن من يعيش على أرض لا يعني تملكها للأبد، فإذا جاء عرق أكثر ذكاء وقدرة فإن من حقه أن يتملكها ويستغلها، وهذا ما حدث في أميركا، ولا مانع أن يحدث في فلسطين. (يتبع)

*نقيب الأطباء الأردنيين