المطامع الصهيونية على الدول العربية؛ الأردن نموذجا ( 2 من3)

شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)
شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)

قامت إمارة شرق الأردن، وتوحّدت حكومات السلط وإربد والرمثا والكرك في حكومة واحدة، وبقيت أحلام الصهيونية المتمثلة بما قاله هربرت صموئيل بحدود الوطن القومي لليهود حتى خط السكة قائمة، حتى وإن تعاقبت الحكومات، سواء على الجانب العربي أو الصهيوني، ولنر تطبيقات لهذا الحلم وللحلم الصهيوني الديني، أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات في المحطات التاريخية التالية:اضافة اعلان
المحطة الأولى 
تمثلت هذه المحطة بقيام الكيان الصهيوني عام 1948 بحدود غير معرفة دوليا، وباعتراف الدول الكبرى بهذا الكيان، ودخولها منظمة الأمم المتحده بدون تحديد للحدود مع جيرانها، وتم توحيد الضفة الغربية مع الأردن لتصبح جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية.
المحطة الثانية 
تمثلت بعداء عربي رسمي وشعبي لهذا الكيان، والذي استمر وتكرس بظهور المد القومي العربي، بقيام ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر بقيادة جمال عبدالناصر، التي أصبحت تشكل تهديدا للمخططات الاستعمارية الواردة في وثيقة بانيرمان، وما تلاها، وكان التهديد الأكبر بتأميم قناة السويس ومن هنا مارس التحالف الاستعماري القديم ممثلا ببريطانيا وفرنسا مع الصهيوني قوته.
وجاء العدوان الثلاثي على مصر، وبهزيمة هذا العدوان، وجدت أميركا التي لم يكن لها دور استعماري سابق، فرصتها في وراثة بريطانيا وفرنسا، ومارست وما تزال تمارس هذا الدور، ولا ننسى هنا أن من قرارات المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة منذ المؤتمر التاسع وحتى بعد قيام الكيان الصهيوني، والذي انتقل عقده إلى القدس، تقوية النفوذ الصهيوني على دوائر السياسة والمال في الولايات المتحدة، عبر السيطرة على حركة الانتخابات هناك.
المحطة الثالثة 
المد القومي العربي يكبر ويقوى؛ ثورة العراق، الوحدة بين مصر وسورية، ثورة الجزائر، حركة عدم الانحياز، التحالف مع المعسكر الشرقي، التحرر الاقتصادي، والتطور العلمي، كل هذا يتعارض مع وصايا بانيرمان ويشكل خطورة على الكيان الصهيوني، وحسب قراءات هيكل لمحاضر اجتماعات حكومة الكيان فإن التخطيط لحرب 67 بدأ منذ انفصال سورية عن مصر عام 1961، وقبل ذلك في الدوائر الاستعماربة والصهيونية.
المحطة الرابعة
عدوان 67 الذي شاركت فيه إسرئيل وأميركا، وبتخطيط مشترك، وقوات مشتركة كما ثبت فيما بعد، والذي أدى إلى احتلال بقية أرض فلسطين كما رسمها الانتداب البريطاني، وسيناء المصرية، والجولان السورية.
اللاءات الثلاث لمؤتمر القمة العربية في الخرطوم، وإعادة بناء الجيش المصري بمساعدة السوفييت، وحرب الاستنزاف، كانت الرد العملي على هزيمة 67، ولكنها ضُرِبت في الصميم بوفاة عبدالناصر بظروف شابها الكثير من الأقاويل، ونظرا لتصميم الجيش المصري بقادته، تم العبور، وضرب خطوط كامب ديفيد في ضربة مفاجئة، وبالتنسيق مع الجيش السوري، وشكلت تهديدا للكيان الصهيوني.
وهنا لا بد من استحضار التحالف القائم  بين الكيان والولايات المتحدة الوريث القوي لقوى الاستعمار القديم، وأجهضت الانتصارات الأولى ومعها التنسيق المصري السوري.
المحطة الخامسة
اتفاقيات كامب ديفيد: بدأت المباحثات التمهيدية بين مصر والكيان برعاية الملك الحسن، وذلك بلقاءات بين موشي دايان وحسن التهامي، وبمشورات من شاوشيسكو.
في 26 آذار (مارس) 1979، وعقب محادثات كامب ديفيد، وقع الجانبان على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وكانت المحاور الرئيسة للمعاهدة؛ هي إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التي احتلتها عام 1967، بعد حرب الأيام الستة، وتضمنت الاتفاقية أيضا البدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة.
استغل بيجن الأيام التي تلت كامب ديفيد مباشرة للإعلان عن عزمه على إقامة مستوطنات في الأراضي المحتلة، ثم بلغت ذروة تصريحاته عام 1981، عندما أقسم إنه لن يترك أي جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والقدس.
يقول المؤرخ يورغن ينسيهاوغن؛ إنه بحلول الوقت الذي ترك فيه كارتر منصبه في كانون الثاني (يناير) 1981، والذي عقدت اتفاقية كامب ديفيد في عهده، كان في موقف غريب، فقد حاول أن ينفصل عن السياسة الأميركية التقليدية، لكنه انتهى به المطاف إلى تحقيق أهداف ذلك التقليد، الذي كان يتمثل في تفكيك التحالف العربي، وتهميش الفلسطينيين، وبناء تحالف مع مصر، وإضعاف الاتحاد السوفيتي، وتأمين إسرائيل.
الحلم الصهيوني قائم 
في مقال تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، نشرته مجلة كيڤونيم، التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية والناطقة باسمه، في عدد 14 شباط (فبراير) 1982، تستعرض المنظمة الصهيونية العالمية بعضا من إستراتيجية إسرائيل: “إذا استطاعت مصر استعادة سيناء، فإن ذلك لن يغير في ميزان القوى شيئا. لقد فقدت تماسكها ومركزيتها. وسنعمل على تفكيك كيانات ودول إسلامية أخرى مثل ليبيا والسودان وغيرهما، وإقامة كيانات إقليمية انفصالية ضعيفة”.  
وتتابع المجلة: “وعلى الجبهة الشرقية، علينا تقسيم لبنان إلى خمسة أقاليم، وتفتيت سورية والعراق إلى مناطق محددة، على أسس المعايير العرقية أو الدينية، هذا ما يجب أن يكون هدفاً أولوياً لإسرائيل على المدى البعيد، علماً بأن المرحلة الأولى منه تتمثل في تحطيم القوة العسكرية لهاتين الدولتين”.
وتضيف: “أما العراق الغني بنفطه، والفريسة للصراعات العرقية، فإن انهياره سيكون بالنسبة إلينا أهم من انهيار سورية، لأن العراق يمثل أقوى تهديد لإسرائيل، في المدى المنظور”.
وتزيد: “تعتبر المملكة الأردنية هدفاً إستراتيجياً لنا في الوقت الحاضر، وهي لن تشكل في المدى البعيد تهديداً لنا، وإن انتقال السلطة إلى يد الأكثرية الفلسطينية، هو ما ينبغي على السياسة الإسرائيلية أن تتطلع إليه وتعمل من أجله. وهذا التغيير سيعني حل مشكلة الضفة الغربية، ذات الكثافة الشديدة من السكان العرب، ولا بد من تهجيرهم إلى الشرق”.. (كان هذا استرجاعا لما قاله تشرشل عام 1920).
وأضافت المجلة: “على العرب الإسرائيليين، وضمناً كل الفلسطينيين، أن نجعلهم يقتنعون بالقوة أنهم لن يستطيعوا إقامة وطن ودولة، إلا في المملكة الأردنية، ولن يعرفوا الأمان إلا باعترافهم بالسيادة اليهودية فيما بين البحر المتوسط ونهر الأردن”.
حاول العرب سد الفراغ الذي خلفته مصر، وكانت هذه البوادر واضحة لدى القيادات في العراق وسورية، فحاولت الدولتان تشكيل وحدة في عام 1979، ولكنها انهارت بعد أسابيع قليلة، وازداد التشتت في الموقف بعد حرب الخليج الأولى، وحدث أثناء هذا التشتت غزو إسرائيل للبنان في عام 1982، ونجحت بإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان.
المحطة السادسة
فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية: مرة أخرى يمارس ملك المغرب الحسن الثاني دوره، بالضغط لفك ارتباط الأردن بنصفه الغربي المحتل. 
في 31-7-1988 بعد سبعة وثلاثين عاما من الاتفاق، والوحدة والارتباط بين الضفة الغربية والضفة الشرقية، وبعد ضغوط عربية ودولية، أعلن الملك الحسين قرارا بفك العلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن، ومنح السلطة الفلسطينية الإدارة المباشرة لرعاياها بدلا من الإدارة الأردنية، وكان قرار فك الارتباط من أهم الدوافع التي أدت إلى عقد اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، لأن الأردن كان قبل فك الارتباط يطالب إسرائيل بإعادة الضفة الغربية التي احتلتها في حرب 1967 كشرط للسلام.
وكانت إسرائيل ترفض ذلك الطلب، ونتيجة لفك الارتباط سقط هذا المطلب من المطالب الأردنية خلال محادثاتها مع إسرائيل، مما سهل التوصل لاتفاق وادي عربة.
المحطة السابعة 
اتفاقيتا أوسلو ووادي عربة: تعتبر اتفاقية أوسلو، التي تم توقيعها في 13 أيلول (سبتمبر) 1993، أول اتفاقية رسمية مباشرة بين الكيان الصهيوني، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وشكل إعلان المبادئ والرسائل المتبادلة نقطة فارقة في شكل العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، التزم بموجبها الأطراف بالآتي؛ مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية:
تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل (على 78 % من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة). خلال خمس سنوات تنسحب إسرائيل من أراض في الضفة الغربية وقطاع غزة، على مراحل أولها أريحا وغزة، اللتان تشكلان 1.5 % من أرض فلسطين. وتقر إسرائيل بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي (أصبح يعرف فيما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية). 
وتبدأ بعد ثلاث سنوات “مفاوضات الوضع الدائم” تتم خلالها مفاوضات بين الجانبين بهدف التوصل لتسوية دائمة. وتشمل هذه المفاوضات القضايا المتبقية بما فيها القدس واللاجئون والمستوطنات والترتيبات الأمنية (والآن 30 سنة ولا زلنا نفاوض).
بعد عام واحد، وفي 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1994 تم توقيع معاهدة السلام بين الأردن والكيان الصهيوني، وذلك بعد سلسلة من الاتصالات السرية، والمباحثات العلنية في عدد من العواصم، تضمنت المعاهدة مقدمة، وثلاثين مادة، وخمسة ملاحق، تعالج قضايا الحدود، والأراضي، والأمن، والبيئة، والمخدرات، والمياه، وغيرها من القضايا، وأهم أهداف الاتفاقية إقامة سلام برغبة الطرفين يهدف إلى حسم النزاع بينهما، وإنشاء العلاقات الدبلوماسية، والتبادل الثقافي والعلمي، والعمل على تحقيق التفاهم المتبادل، وعلاقات حسن الجوار، وإلغاء التشريعات التي لا تنسجم مع حالة السلم، وتبادل الثقافة والعلم بين الطرفين.
وسعت حكومتا الدولتين إلى تطبيع العلاقات، لكن المستوى الشعبي أفشل هذا التطبيع، ولكن تم إغراق السوق الأردني بالمنتجات الزراعية والسلع الإسرائيلية، مما ألحق الضرر بالمزارعين والمنتجين الأردنيين، وتعرض العديد من القوانين المتعلقة بالحريات العامة إلى التعديلات، وقامت الحكومة الأردنية بتغيير المناهج الدراسية بما يتناسب مع مواد المعاهدة، لتنفيذ التطبيع وتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي على أساس شرق أوسطي، وليس على أساس عربي.  
المحطة الثامنة
التحركات الصهيونية في الأردن: لم تلتزم إسرائيل بنصوص معاهدة السلام، ولا زالت تهدد أمن واستقرار المملكة، فإسرائيل لم تتوقف عن ارتكاب جرائم جنائية على أرض المملكة، مثل محاولتها اغتيال خالد مشعل على الأراضي الأردنية، والقاضي الأردني رائد زعيتر وغيرها من الحوادث. وبالإضافة إلى عدم التزام إسرائيل ببنود المياه المذكورة في المعاهدة، لم تف بالتزاماتها المائية تجاه الأردن، فحصل الأردن على المياه من بحيرة طبريا، بدلا من حصته في نهر اليرموك، وكانت مياه بحيرة طبريا ملوثة... (يتبع)

*نقيب الأطباء الأردنيين