المطامع الصهيونية على الدول العربية.. الأردن نموذجا (3 من 3)

شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)
شعار الصهيونية العالمية-(أرشيفية)

المحطة التاسعة: الربيع
العربي وتبعاته 
الفوضى الخلاقة: مايكل ليدين Michael Ledeen يسميها الفوضى البنَّاءة، أو التدمير البناء، وذلك بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 بعامين، أي في 2003، وهذا يعني الهدم، ومن ثم البناء، ويعني إشاعة الفوضى، وتدمير كل ما هو قائم، ومن ثم إعادة البناء حسب المخطط الذي يخدم مصالح القوى المتنفذة، وقد يكون أكثر المفكرين الذين تحدثوا عن هذا الأمر هو الأميركي اليميني صامويل هنتنجتون - صاحب نظرية صراع الحضارات.اضافة اعلان
عناصر الفوضى الخلاقة:
الأول: دراسة النسيج القومي لبلد ما من الناحية الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والإثنية، ومعرفة الفروق والتوازنات المختلفة، ومحاولة استغلال أي مشكلة قائمة في الثقوب القومية وتضخيمها تضخيماً يؤدي إلى التوتر ثم الصراع.
العنصر الثاني: تصميم مجموعة من الانقلابات الظاهرة، والباطنة، ومجموعة من الاغتيالات بين صفوف القيادات الوطنية، ورشوة كثير من المتنفذين في الأجهزة الحاكمة، وفي مجالات الإعلام المختلفة، والتركيز على شخصية مختارة، وإزاحة كل العوائق أمامها.
العنصر الثالث: الإفساد التنموي الذي ينتهي بالاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تابع، وتفقد الملايين قدرتها على الإنتاج، ويتحول الوطن إلى مستهلك كبير لعالم الأشياء الذي يأتيه من الخارج.
العنصر الرابع: محاربة كل تجمع إقليمي يخدم دول المنطقة اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا، والسعي لتفتيت الموحد عن طريق الحروب الداخلية.
العنصر الخامس: اختراق الحياة الثقافية عن طريق الدعم المالي لبعض المثقفين والفنانين والإعلاميين، وإحداث فوضى ثقافية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
العنصر السادس: تجنيد بعض المتخصصين أثناء دراستهم بالغرب وتوظيفهم في المؤسسات الدولية وتقديمهم للمناصب العليا في بلادهم.
العنصر السابع: تجنيد بعض رجالات الأجهزة الحساسة لتوجيه هذه الأجهزة ليخدموا مصالحهم.
هذا ما حدث باختصار في سنوات الربيع العربي، إما بالتدمير الكامل للبلد كما في نسخة العراق وسورية وليبيا واليمن، أو بدون إراقة دماء كما في دول عربية أخرى، بحيث تصل إلى تبعية النظام سياسيا واقتصاديا للدوائر الاستعمارية؛ تونس ومصر والسودان مثالا.
نشر معهد "جلوبال ريسيرش الدولي للدراسات"، مقالين للباحثين ميشيل تشوفيدسكي، ومهدى داريوس نازيمورايا، حيث يشرحان فيهما تفاصيل دور إسرائيل بالتفكيك المتعمد للدول العربية في إعادة تشكيل جيوسياسي للمنطقة، بما يحقق أهدافها في الامتداد الجغرافي من النيل للفرات، وتستهدف خطة "يانون" محل البحثين، تحطيم القوى العربية العسكرية، وتحويل الدول العربية إلى دويلات على غرار دول "البلقان" التي تقوم دولها الصغيرة على أساس ديني وعرقي ضمن ما أسماه الباحث خطة "بلقنة" الدول العربية.
كما تتضمن الخطة إعادة توطين وتوزيع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وغزة، في كل من سيناء والأردن وبعض أجزاء السعودية، والعراق ولبنان، مع استبعاد وجود الدولة الفلسطينية المستقلة نهائيا.
المحطة العاشرة الواقع العربي الآن: ماذا تحقق من أحلام ومخططات الصهيونية 
لم يعد هناك عمل عربي مشترك حتى على مستوى التضامن، وفقدت الجامعة العربية دورها، والسلطة الفلسطينية تحولت الى حارس أمني للتوسع الاستيطاني الصهيوني في أرض فلسطين كلها، وتم إضعاف و/ أو تقسيم الدول العربية الكبيرة المؤثرة بتخطيط صهيوني أميركي مشترك، وتطورت الطروحات العلنية للساسة الإسرائيليين والأميركان. 
ظهرت أفكار في صحافة العدو، مثل "طريقي إبراهيم وموسى"، كاختصار أو تعبير جديد للشعار الصهيوني العدواني التوسعي: "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"؛ فالأول هو طريق إبراهيم، وهو يغطي في المشروع المذكور العراق وسورية وفلسطين والأردن (من أوروبا إلى الأردن وفلسطين)، ما استدعى سيناريو تحطيم العراق وسورية، ومحاولة وضعهما تحت السيطرة الصهيونية على شكل كانتونات طائفية متقاتلة، كما اقترح المؤرخ اليهودي الأميركي برنار لويس.
أما الطّريق الآخر؛ "طريق موسى"، والذي يغطّي سيناء، والنقب، ومنطقة البحر الأحمر الشمالية (الحجاز وجنوب الأردن)، فيعود إلى مشروع صهيوني قديم لليهودي بول فريدمان، ظهر في العام 1878، باسم مشروع "مديان" أو "مدين"، وذلك قبل أن يظهر مجدداً باسم "وادي السلام".  
للأسف، لم يعد ترديد مصطلح "السلام الإبراهيمي" حكرا على المسؤولين الأميركيين، أو صحافة العدو فقط ، بل إن إعلاميين، وكتاب رأي في صحف نظم الحكم التي وقعت على اتفاقات تطبيع مع العدو، باتوا يرددون المصطلح، لدرجة أن أحد علماء السلاطين، من المحسوبين على أحد الأنظمة، غرد بشطر الآية: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة..." وأرفق مع التغريدة صورا للقرآن والإنجيل والتوراة.
زعمت صحفية استقصائية بريطانية، عن معلومات جديدة عن تسوية القضية الفلسطينية، أو ما بات يعرف بـ"صفقة القرن"، وقالت الصحيفة البريطانية، إن خطة جاريد كوشنر في صفقة القرن تتضمن اقتراح تبادل للأراضي، يحصل بموجبه الفلسطينيون على أراض أردنية مقابل أرضهم، فيما يتم تعويض الأردنيين بأراض سعودية، التي ستستعيد بدورها جزيرتين في البحر الأحمر كانتا تحت السيادة المصرية منذ العام 1950.
وجاء ظهور وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وهو يعتلي منصة خلال كلمة له في باريس، رسم عليها ما تسمى "خريطة أرض إسرائيل" وتضم كلا من فلسطين والأردن وقال: "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني، هذه هي الحقيقة التي يجب سماعها في البيت الأبيض"، مضيفا إن "هذا (الشعب الفلسطيني) ليس إلا اختراع يعود عمره إلى أقل من 100 سنة"
أردنيا.. القدس
فك الارتباط الأردني بالضفة الغربية استثنى القدس، وتواصل دور وزارة الأوقاف في الإشراف على المقدسات الإسلامية، بدءا من المسجد الأقصى، والمساجد الأخرى، وانتهاء بمدارس إسلامية  تابعة، وذلك من خلال 800 موظف، وتكرس هذا الدور من خلال اتفاق بين الأردن والسلطة الفلسطينية، واعترفت به اتفاقية وادي عربة.
ولكن الانتهاكات المستمره للمسجد الأقصى من قبل المتطرفين والمتدينين الإسرائيليين الذين يتنامى دورهم السياسي والانتخابي، يهدد هذا الدور، وخاصة بعد صدور قانون إسرائيلي يسمح بالتقاسم الزماني والمكاني للمسجد، وفي المقابل لا يملك الأردن قوة على الأرض سوى التنديد، والتوسط لدى الجهات الدولية المختلفة التي إما انتهى دورها المؤثر على إسرائيل مثل المجموعة الأوروبية، أو الداعمة لها مثل الولايات المتحدة.
القوانين
يقول سياسي أردني بارز ساهم في ترتيبات اتفاقية وادي عربة: "أدركنا، في مطبخ القرار، استحالة تمرير معاهدة السلام بوجود مجلس نواب قوي قادر على رفضها، فأصبح الهدف إيجاد مجلس نواب ضعيف تَسْهُلُ السيطرة على قراره، وانتهت المداولات في مطبخ صناعة القرار إلى تعديل قانون الانتخاب، بما يمنع وصول أغلبية معارضة، اعتمادا على تجربة قانون عام 89"، وهو ما أصبح أحد ثوابت الوعي السياسي في الأردن. 
تم تكليف رئيس الوفد الأردني في مفاوضات السلام، عبدالسلام المجالي، بتشكيل حكومته الأولى، وهي الحكومة التي احتاجت إلى 13 يوما فقط من تاريخ حلّ مجلس النواب، لتُصدِر قانون انتخاب جديدا بصيغة مؤقتة هو "قانون الصوت الواحد". وبناء عليه، انتخب في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993 مجلس النواب الثاني عشر، الذي وجد نفسه بعد قرابة عام من انتخابه، وجهاً لوجه مع معاهدة "وادي عربة"، والتي عوملت معاملة القانون، ومرت أو مُررت بالقنوات الدستورية، بعد توقيعها، يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1994.
تم إلغاء قانون منع بيع العقار للعدو، وتعديل القوانين الاقتصادية، كما فُرضت قوانين جديدة تضيّق على المواطنين وحريتهم، كقانون الاجتماعات العامة، الذي شُرّع بعد "وادي عربة" ليضع ضوابط على حق التجمع والتظاهر، وبلغ تحصين معاهدة "وادي عربة" ذروته عندما قررت الحكومة تضييق الخناق على معارضيها عبر وسائل الإعلام، فأصدرت حكومة عبد السلام المجالي الثانية، في أيار (مايو) 1997 قانوناً مؤقتاً للمطبوعات والنشر، ضاعف بأثر رجعي رسوم تأسيس الصحف الأسبوعية المدفوعة، لتصبح 350 ألف دينار، بعد أن كانت محددة بـ15 ألف دينار. 
ويقول رئيس مركز حماية حرية الصحفيين، نضال منصور، إن "القانون استهدف وقتها بشكل مباشر، الصحف الأسبوعية، التي كانت منبراً لقوى المعارضة والنقابات والمجتمع المدني". 
شراء الأراضي: البترا
تحدث عضو لجنة السياحة النيابية، النائب سعود أبو محفوظ عن المخاوف بصوت عال، إذ يقول إن "الإسرائيليين يسوقون البترا جزءا من إرثهم، ويوميا نجدها على قوائم التسويق السياحي الاحتلالي. إن هناك تخطيطا إسرائيليا لإسكان أربعة ملايين يهودي في جنوب الأردن، وهو مدون في مواقعهم، وإن ما حدث في مسجد البترا (النبي هارون) أكبر مثال، وتم دفن بعض اللقى المزورة في البتراء، وعن تزوير حجر نبي الله سليمان، وكيف تم اكتشاف التزوير من عالم غربي، وكيف أن اليهود يدعون أن التابوت وعصا موسى مدفونة في البترا".
قضية ما يسمى بالبيع الآجل في البترا ، والتي بدأت تظهر على السطح العام 2011 حيث كان هناك عدد من التجار يزاولون مهنة تجارة الأراضي عن طريق البيع الآجل. وهي تعني بيع أراض وعقارات، بأسعار شراء مغرية جدا تزيد على قيمتها الفعلية. والغريب ان هذه العقود كانت تسجل في الخارج. ويتيح مشروع القانون المعدل، تأجير الأموال غير المنقولة، خارج حدود المحمية الأثرية، أو المواقع الأثرية الأخرى لغير الأردنيين، وكان القانون السابق يحظر تملك غير الأردنيين، في البترا. واعتبر نواب أن هذا التعديل يتيح بيع أراضي البترا لليهود بطرق مختلفة.
الحصار السياسي والاقتصادي
الطاقة والمياه هما أهم عاملين للاستقرار الاقتصادي والسياسي، فبعد انقطاعات متعدده للغاز المصري المستورد لشركة توليد الكهرباء الأردنية، والنوم العميق لمشروع المفاعل النووي، وبعد مفاوضات ماراثونية قادتها الخارجية الأميركية، وسهلتها شركة نوبل إنيرجي الأميريكية، والتي بدأت العام 2011 انتهت إلى توقيع اتفاق شراء الغاز من إسرائيل عام 2016 لتوليد ما يقرب من 90 % من الطاقة في الأردن، وبرغم الاحتجاجات الشديدة من المعارضة والنقابات إلا أن الحكومة مضت في تنفيذ الاتفاق. 
أما ما يتعلق بالمياه، بالإضافة لما ورد في اتفاقية وادي عربة من تحكم إسرائيل بالمياه الواردة للأردن، والتي أوصلت الأردن ليكون من أفقر دول العالم بالمياه، لم تجد مشاريع قوية لرفد الأردن بالمياه، مثل مشروع ناقل البحرين الأردني الإسرائيلي المشترك، طريقها الى النور بسبب انسحاب إسرائيل منها.
وتوجه الأردن لمشروع تحلية مياه العقبة ونقلها إلى عمان عبر أنابيب في الأراضي الأردنية، ولكن انسحاب الممولين العرب والأجانب من المشروع حتى الآن، عطل قيامه، لا بل طرحت إحدى  الدول العربية المطبعة حديثا مشروعا ضخما لتوليد الطاقة الشمسية في الأراضي الأردنية، وبيعها لمحطة إسرائيلية لتنقية المياه في إيلات، ومن ثم بيع المياه من هذه المحطة للأردن.
المحطة الأخيرة 
تشكل عمليات الإبادة الجماعية، والتدمير الممنهج الجارية في غزة الآن من قبل الكيان الصهيوني، حلقة جديدة من حلقات تحقيق الحلم الصهيوني، هم يعلمون جيدا أن القضاء على المقاتلين والمجاهدين من كل التنظيمات المسلحة أمر مستحيل، فما دام هناك احتلال فلا بد أن تكون هناك مقاومة. ولا يمكن وصف الحرب الدائرة الآن في غزة بوصف آخر غير إبادة ما أمكن من الناس، وتدمير كل سبل المعيشة من مسكن ومأكل ودواء وغذاء، كل هذا مقدمة لتفريغ القطاع من أهله وساكنيه، فهل تشكل المقاومة العنيدة، والمجهزة، تعطيلاً لمسيرة تحقيق الحلم الصهيوني وتراجعا عنه؟
الخلاصة 
إن ما طرح في الفكر الصهيوني منذ مائة عام تحقق بشكل كبير في تحقيق حلم الصهيونية، ونستطيع القول إنه لولا عجز إسرائيل عن استقطاب مهاجرين جدد لموازنة الغالبية العربية من السكان في فلسطين، وما جاورها؛ لاستطاعت أن تحقق حلمها في ما تدعيه من أن أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات، لكنها استطاعت أن تقضي على أي مخاطر تهدد أمنها من النظام العربي شرقا وغربا، لا بل فرضت هيمنة شبه كاملة على هذه الأنظمة من خلال اتفاقيات السلام أو التطبيع الاقتصادي والسياسي، بينها وبين الغالبية العظمى من الدول العربية القريبة والبعيدة عنها.
ملحوظة: تمت كتابة هذه الدراسة قبل الحرب على غزة، فهل عمليات الإبادة التي تحدث الآن هناك هي محطة جديدة من محطات تنفيذ المخططات الصهيونية القديمة المتجددة، وما هذا التأييد المنقطع النظير من أميركا وأوروبا للكيان الصهيوني إلا استعادة لمنظور وثيقة بانيرمان ووعد بلفور وسايكس بيكو في مزيد من القضاء على المقاومة الفلسطينية، وتدمير كل ما يعيق تحقيق الحلم الصهيوني.

*نقيب الأطباء الأردنيين