الملك الإنسان

د. أشرف الراعي
د. أشرف الراعي

يتحدث جلالة الملك عبدالله الثاني، في معان، بأبوية وإنسانية عمّا يعانيه السكان المدنيون في قطاع غزة، وهو الذي ما انفك يوماً يضع القضية الفلسطينية في مقدمة لقاءاته الدولية والعربية والمحلية؛ فالقضية الفلسطينية بالنسبة لجلالته قضية مصيرية تتعلق بمستقبل الأشقاء في المصير والأرض، وقد تجلى ذلك مؤخراً بالإنزالات التي نفذها نسور سلاح الجو الملكي الأردني، وبتوجيه مباشر من جلالة الملك عبدالله الثاني، وإشرافه شخصياً على هذه الإنزالات التي تدعم صمود المدنيين في القطاع في ظل ما يشهده القطاع من حرب طاحنة أتت على أكثر من 30 ألف إنسان غالبيتهم من النساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة.اضافة اعلان
وبالطبع؛ فالأردن كدولة مستقرة ولها وزنها على الساحة السياسية العالمية كانت ومنذ اليوم الأول للحرب وبجهود كبيرة بذلها وزير الخارجية الحالي أيمن الصفدي سباقة في الحديث عن ضرورة وقف الحرب على القطاع المحاصر منذ أكثر من 16 عاماً، لا بل كرست المملكة الأردنية الهاشمية بجهود ملكية حثيثة الجولات الدولية كلها من أجل حشد موقف دولي لمنع هذا التغول ضد أبناء القطاع، وهو موقف حققته وتحققه السياسة الأردنية منذ فجر التاريخ بالتعاون مع الأشقاء العرب في كل المحافل الدولية، لا سيما وأن الحلول العسكرية كانت وما زالت بالنسبة للأردن وبالاً على المدنيين والسكان من أطفال ونساء وكبار سن.
في المقابل، وبصوت العقلانية والحكمة يخاطب جلالة الملك 
عبد الله الثاني الغرب؛ يشرح الظروف الصعبة التي يعيشها أبناء قطاع غزة نتيجة ما عانوه من الاحتلال على مدى سنوات طويلة. فقد كان الملك وما زال صوت الحكمة المعتدل، ولطالما أكد بالتعاون مع الشركاء الإقليميين أهمية إيجاد حلول لما يتعرض له الفلسطينيون من تنكيل وانتهاكات لحقوقهم، مع توسع الاحتلال وازدياده، مع تأكيده المستمر أنه “لا يمكن استقبال اللاجئين في الأردن ولا في مصر جراء الحرب على غزة، وهذا خط أحمر”، لإيمان جلالته بأن هذا الأمر يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إنهاء القضية الفلسطينية وتصفيتها، على حساب المملكة، وهو ما لا يمكن أن يحدث مهما جرى.
اليوم بالطبع تشهد المنطقة برمتها تحولات إستراتيجية كبيرة إثر الحرب الدائرة في قطاع غزة، وارتفاع الكلف الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فاقمها ويفاقهما الاحتلال، وعدم الذهاب باتجاه الحلول الدائمة القائمة على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني، بعيداً عن تسويف المجتمع الدولي وتلاعبه بالقوانين الدولية والمبادئ التي تتحدث عن العدل والإنصاف.
لكن مرة أخرى ومن معان، التي تحتل مكانة مميزة في قلوب الهاشميين، يضع جلالته المجتمع الدولي برمته أمام مسؤولياته في ضرورة إنهاء الحرب على القطاع والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية، وإنزالها بكل الطرق والوسائل بصورة مستدامة، مع الالتزام بالعهود والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تنص على مساعدة السكان المدنيين من الغزيين سواء في نطاق القانون الدولي العام أو القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على المجتمع الدولي أن يقف إلى جانبهم، لا أن يتركهم يواجهون مصيراً مجهولاً.