دردشة تاريخية

أمين محمود

يعزو كثير من المورخين تزايد الانشطة والافكار المتهودة بين العديد من الشرائح المجتمعية الغربية الى ظهور حركة الاصلاح الديني في اوروبا في بداية القرن السادس عشر وإلى الاجواء الدينية التي بدات تسود في اوروبا الغربية انذاك. وقد اصبحت هذه الأفكار تشكل جزءا اساسيا من النسيج الثقافي الغربي واصبحت فلسطين في نظر العديد من الشرائح البروتستانتية ارضًا يهودية وأهلها المنتشرون في اوروبا هم الفلسطينيون الحقيقيون الذين يعيشون غرباء عن وطنهم فلسطين بانتظار عودتهم إليها عندما تحين الفرصة الملائمة.اضافة اعلان
فقد كتب مارتن لوثر العام 1533 كتابه "المسيح ولد يهوديا"، اعاد فيه الاعتبار لليهود واشار فيه الى أنهم هم الاصل و "أبناء الرب" الذين سيتم بعث "مملكتهم" من جديد على أرض فلسطين. كما نجد الصهاينة المسيحيين الغربيين ينتعشون في بريطانيا في اعقاب انفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية العام 1538 واخذوا يطالبون حكومتهم بالعمل على تنفيذ مهمة البعث اليهودي في "اورشليم" تمهيدا للعودة الثانية للمسيح المنتظر إليها. حيث يحكم فيها العالم من أرض صهيون (فلسطين) طيلة الالف عام التالية لعودته وانتشرت فكرة "بعث إسرائيل" في اوروبا الغربية بين مختلف الاوساط الفلسفية والادبية والسياسية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان في طليعة المفكرين الاوروبيين المتحمسين لفكرة "بعث إسرائيل" جون لوك وروسو وكانت وملتون
(انظر: Regina Sharif. Non-Jewish Zionism، رضا هلال، المسيح ونهاية العالم).
وقد ساهمت حركة الاصلاح الديني في نمو العديد من الاساطير اليهودية وتغلغلها في الثقافة الغربية، وأهم هذه الاساطير اسطورة الشعب المختار التي تشير الى أن اليهود امّة مفضلة على غيرها من الامم والشعوب. واسطورة الميثاق التي تشير الى الصلة الابدية التي تربط اليهود بأرض فلسطين. اما اسطورة عودة المسيح فقد ولّدت لدى المسيحيين الغربيين (والبروتستانت منهم بالذات) القناعة بأن التشتت اليهودي لا بد وأن ينتهي في مرحلة معينة يعود بعدها اليهود الى فلسطين تمهيدا لعودة المسيح إليها.
وهكذا اخذت الاساطير الصهيونية تلعب دورا مهما في خدمة اهداف السياسة الامبريالية التوسعية وتم توظيفها لتعمق القناعة الدينية لدى الأوساط الشعبية لدعم حكوماتها في سياساتها من أجل بعث الوطن اليهودي في فلسطين. وأدى هذا الى ظهور ما يعرف "بصهيونية الاغيار" او "الجوييم" او الصهيونية المسيحية Christian Zionism، التي سبقت الصهيونية اليهودية بفترة طويلة.
إن المنشا الحقيقي للفكرة الصهيونية تم اعداده وتهيئته في محافل الدول الاستعمارية الغربية وخاصة بريطانيا. إذ وجدت الطبقات الراسمالية الحاكمة في هذه الدول أن توطين اليهود في فلسطين يحقق لها فوائد جمّة ويخدم مصالحها الاستعمارية، وللوصول الى هذا الهدف كان لا بد للمشاريع الاستيطانية فيما بعد أن تلقى الدعم والتاييد من الاوساط اليهودية نفسها. فجاء تحرك البورجوازية اليهودية بمصالحها المتداخلة مع الراسمالية الاوروبية، وكان أن تم عن طريقها تحفيز بسطاء اليهود لقبول فكرة الاستيطان في فلسطين. وهكذا فإن التحالف الذي توثقت عراه بين البورجوازية اليهودية والراسمالية الاوروبية مهد الطريق لقيام الحركة الصهيونية، الجسر الذي أفرز الاستيطان اليهودي اولًا ثم الدولة اليهودية ثانيًا.
الصهيونية اسم لحركة سياسية انتشرت بين يهود اوروبا في القرن التاسع عشر وكانت في بدايتها مجرد فكرة تحولت فيما بعد الى مشروع عمل استيطاني في فلسطين يهدف الى انشاء كيان سياسي يهودي فيها. واللفظ مشتق من كلمة "تسيون" العبرية وهي اسم يطلق على جبل يمتد جنوب غرب القدس (جبل صهيون) ويعتبر ملتقى الحجيج اليهودي لاعتقادهم أن الملك داود قد تم دفنه هناك. وكان الصحفي اليهودي النمساوي الاصل ناتان بيرنباوم أول من استعمل تعبير الصهيونية في العصر الحديث ليصف به هذه الحركة السياسية الداعية الى انشاء كيان صهيوني على أرض فلسطين (الياس شوفاني، المشروع الصهيوني من المجرد الى الملموس).