رفاقنا في الليل الطويل

د. رشا سلامة
د. رشا سلامة
حسنا فعل ناشطون فلسطينيون وعالميون، حين ربطوا خلال حرب غزة الأخيرة بين ليل الفلسطينيين الطويل، وبين ليل طويل آخر اختبرته شعوب وأعراق أخرى، في مسعاها نحو الاستقلال والحرية.اضافة اعلان
فيما كنت أنشر مقاطع وصورا تربط بين الفلسطينيين وسكان أميركا الأصلاء (الهنود الحُمر)، معنونة إياها «عاش الهندي الأحمر.. عاش الفلسطيني»، وصلتني رسالة من زميلة، عبر تطبيق «إنستغرام»، تستغرب فيه هذا الربط، معتبرة إياه نوعا من فأل الشؤم على الفلسطينيين بأن إبادتهم حاصلة لا محالة كما حدث مع الهنود الحمر.
انبريت لتفنيد الأمر لها، واستذكرت كم تتعالى الضحية في مرات على معاناة غيرها، معتبرة أن المأساة حكر شخصي عليها. وفي هذا خطأ جسيم؛ إذ إن ما قاسته شعوب وأعراق أخرى مثل السكان الأصلاء في أميركا ونيوزلندا وأستراليا، على سبيل المثال، على يد الرجل الأبيض، لهو شبيه بما قاساه الفلسطينيون وما يزالون: دروب الموت التي أُجبروا على المضيّ بها بعيداً عن الديار، فقضوا برداً ومرضاً وقنصاً، وبطانيات الفيروسات التي كانت تُرمى عليهم لأجل نشر الأمراض بينهم، وتعقيم النساء؛ لئلا ينجبن أجيالا جديدة تُذكّر الجاني بما اقترف، وفنون التعذيب والشبح والهتك بأكثر الطقوس غرائبية وجنوناً، وطمس أسماء البلدات والمعالم البارزة، وتشتيت شمل العائلات. كل ذلك وأكثر، مشترك بين الفلسطينيين والسكان الأصلاء في تلك الدول.
ليسوا هؤلاء شركاؤنا في الليل الطويل فحسب، بل كذلك أصدقاؤنا الأرمن، الذين قاسوا شتاتا وتهجيراً ومجاعات ومجازر وطمس حقائق ما يزالون يكافحون لإثباته تاريخيا حتى اللحظة. وأشقاؤنا الكرد، الذين ما يزالون يُطاردون حلم الدولة والاستقرار والتوحّد.
الشعوب الصديقة التي أخلصت للفلسطينيين؛ نظراً للمعاناة الشبيهة، وعلى رأسها الشعب الإيرلندي والاسكتلندي، تستحق كذلك الأمر استذكاراً من الفلسطينيين، ليس على مستوى الخطاب الرسمي الفلسطيني فحسب، بل على صعيد منشورات الناشطين عبر منصات التواصل الاجتماعي، والنتاج الفكري والأدبي والإعلامي الذي يوجهه الناشطون والمثقفون والأكاديميون الفلسطينيون أيضاً.
من شأن هذا الربط استقطاب مزيد من الأصدقاء والمناصرين للقضية الفلسطينية، ممن لا يشتركون مع الفلسطينيين في الدين والعرق، ومن شأن هذا أن يكون دعماً فارقاً وقوياً؛ إذ دعم ذوي القربى من عرب ومسلمين، وإن كان ضئيلا وخجولا، إلا أنه يدخل في خانة المتوقع، فيما دعم من لا مصلحة ولا قاسم مشتركا معهم سوى معايير الإنسانية وقيمها، فإن من شأنه إكساب دفوعات القضية الفلسطينية مزيدا من القوة. ولعل ذلك كان ماثلا للعيان حين طالبت دولة جنوب أفريقيا، أمام محكمة العدل الدولية، وقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. حدثَ هذا، فيما لم يبذل الفلسطينيون قصارى جهدهم، طوال عقود العذاب، في ربط مأساتهم بمأساة العِرق الأسوَد، على الرغم من القواسم المشتركة الكثيرة. وإن حدثَ وكان هنالك ربط، فإنه لا يعدو محاولات فردية هنا أو هناك، وليس نهجاً مدروساً متفق عليه لدى الناطقين باسم الفلسطينيين والناشطين والمؤهلين لتصدير الرسالة الإعلامية الفلسطينية إلى العالم.
ومن شأن هذا الربط بين الفلسطينيين وبين شعوب وأعراق أخرى اختبرت الليل الطويل ذاته، إحراج الرجل الأبيض الذي أوغلَ في دماء الشعوب والأعراق والديانات التي يظنها أدنى مرتبة منه. إحراج على كلا الصعيدين القديم والراهن.
يُحسب، وسط هذا كله، للشاعر الراحل محمود درويش، أنه خلّد على لسان الفلسطينيين قصيدتين: «ليس للكردي إلا الريح»، و»خطبة الهندي الأحمر: ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض». يقول في الأخيرة «من حق كولومبوس الحر أن يجد الهند في أي بحر، ومن حقه أن يُسمّي أشباحنا فُلفلاً أو هنوداً، وفي وسعه أن يكسر بوصلة البحر كي تستقيم، وأخطاء ريح الشمال، ولكنه لا يصدق أن البشر سواسية كالهواء والماء خارج مملكة الخريطة».