صبحي غوشة: في ذكرى المناضل الطبيب

رشا سلامة
رشا سلامة

حين تهمّ بالكتابة عن الدكتور صبحي غوشة، فإنك لا تعلم من أين تبدأ؛ فالراحل كان ظاهرة متكاملة: نضاليا وسياسيا وطبيا، وقبل هذا وذاك إنسانيا. ولعلّ البداية الأقرب لنفسي، للحديث عن غوشة، هي الموقف الذي جمعني به قبل وفاته بأعوام قليلة.اضافة اعلان
كنت قد ذهبت لمنزله في عمان؛ لتصوير مقاطع له وهو يدون مذكراته عن القدس. وهناك، لدى الباب، حملته "شكراً" متأخرة، نيابة عن جميع أهالي قريتي المقدسية أبو ديس؛ ذلك أنه كان يعالجهم، قبل نزوحهم من القدس في العام 1967، من دون أن يتقاضى منهم قرشا واحدا؛ تعاطفا منه مع الفلاحين الكادحين.
أحسب أن البداية هذه هي الأقرب لي، والأكثر وفاء لصورة الراحل صبحي غوشة، الذي كان حتى النهاية يُغلب الجانب الإنساني، ويتعاطى مع الحياة برمتها بدرجة إنسانية لافتة قد يظن المتأمل فيها أنّها انقضت منذ أزمنة، غير أن غوشة استطاع الجمع بين هذه النزعة الإنسانية المفرطة في تطرفها وبين كياسة ابن المدينة وقيافته.
كان غوشة منخرطا أيما انخراط في تفاصيل القدس، وقد بقي هذا الانخراط على قدم وساق (لا يتوقف الأمر عند حدود فوزه بعضوية بلدية القدس في العام 1959، وفوزه بنسبة أصوات من بين الأعلى في انتخابات مجلس أمانة القدس في العام 1963)، بل حتى حين أبعد عن فلسطين في العام 1971 بعد أن حُكِم بالاعتقال 12 عاماً ومن ثم خُفف الحُكم عنه؛ لظروفه الصحية.
من كان يجالس غوشة يلحظ الهاجس المقدسي لديه طوال الحديث. لا يكاد الرجل يفكر في شيء بقدر ما يفكر بمدينته، ولا يكاد يبذل جهدا إلا وحرِصَ في نهاية المطاف أن يصبّ في صالحها. وحتى حين كان يؤسس لأنشطة ثقافية وسياسية وهو بعيد عن القدس، لم يكن يسبغ عليها اسما إلا والقدس فيه، فكانت لجنة يوم القدس (الكويت) وصندوق القدس الخيري (الكويت) وفرقة القدس للتراث الشعبي، وجمعية حماية القدس الشريف، وجمعية نساء من أجل القدس، ولجنة التنسيق للجمعيات والهيئات العاملة من أجل القدس (الأردن)، والائتلاف المقدسي لدعم مكافحة المخدرات في القدس ــ عمّان.
من أراد فهم ظاهرة صبحي غوشة، عليه أن يعود للظاهرة الأشهَر في الأربعينيات والخمسينيات، تلك المرتبطة بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وهي ظاهرة تصدير قيادات القومية العربية من بين أروقتها، برغم طابع الجامعة الإرسالي المتأمرك. هذه بحد ذاتها تستحق أن يعكف الباحثون عليها: هل كان الطلبة آنذاك يجنحون بقوة نحو فكرة القومية العربية؛ انتصاراً منهم لعروبتهم على "موجة التغريب" التي كانت تتهم الجامعة بأنها تمثلها؟ أم هل كان هذا تساوقا مع موجة القومية العربية التي دشنها بقوة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر واجتاحت العالم العربي آنذاك؟ هل كان مردها النكبة التي كانت طازجة في ذلك الحين؟ أم هل كان هذا الجنوح نحو القومية العربية والتنظير السياسي نتيجة طبيعية من طلبة يمثلون صفوة المجتمع العربي آنذاك، إذ من كان قادراً على ابتعاث ابنه لتلك الجامعة في الأربعينيات والخمسينيات حتما كان قد وفر له تربة فكرية وتعليمية خصبة منذ نشوئه؟
وحسبنا في النقطة الآنفة استذكار صفوة القيادات التي خرجت من رحم الجامعة الأميركية في بيروت آنذاك، مثل القياديين (في الجبهة الشعبية لاحقا) جورج حبش ووديع حداد والكويتي أحمد الخطيب وهاني الهندي وحامد الجبوري، وغيرهم من رفاق الدرب النضالي.
بيد أنّ غوشة اختلف في نقطة ما عن نهج الرفيقين حبش وحدّاد، وهو ما يلحظه من يتأمل سيرته ويجالسه، وهو زهده في التعاطي مع الإعلام. لقد اختار الرجل ركنا قصيا يمارس فيه مهنة الطب باقتدار، ومن ثم اختار الكتابة، فكانت مؤلفات من قبيل "شمسنا لن تغيب" و"الشمس من النافذة العالية ـ وجوه في رحلة النضال والسجن" و"القدس ـ الحياة الاجتماعية في القرن العشرين"، كما رفد العمل النضالي والثقافي والسياسي بطريقة رائقة هادئة لا صدامية فيها، وأخال أن الظرف الصحي الحرج الذي مر به غوشة في سني عمره أسهم في هذا، إلى حد ما، غير أن نزعة الزهد هذه والابتعاد عن البروباغاندا والشعبوية هي الأساس، فالرجل كان يعمل صامتا طوال الوقت، وحتى حين أسس جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، في العام 1967، واعتقل على إثرها، فإنه لم يكن قد أعلن هذا أو تبناه بفم مليء بالشعارات أو الصخب، بل كان الرجل يرتكز على أرضية فكرية صلبة وكان هادئا ومسيطرا على انفعالاته، ولعل هذا ما يفسر أنه حين خرج من معتقله قد وجد الرفاق أسسوا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي كانت- على عِظم نشاطها النضالي-  تشتهر بصخبها من حيث الشعارات والتنظير السياسي وتبني المواقف التي وصفتها أنظمة آنذاك بـ "الرعناء".
وعلى الرغم من النزعة الآنفة لدى غوشة، وهي النخبوية غير المتعالية، والنضال غير المقرون بالأضواء الإعلامية، فإنه اختبر كثيرا من ويلات المعتقلات في مدن عربية؛ أي إنّ الأمر لم ينته عند حدود الاعتقال الإسرائيلي له، برباطة جأش وعناد لافت، لكنه لم يكن صداميا البتة، وكان رائقا وممسكا على جمر مبادئه بإصرار، دونما صخب. هذه كانت الميزة الأبرز. لقد حافظ الرجل بجدية وصرامة لافتة على مبادئه، دونما جعجعة على أي مستوى كانت.
وكان الرجل يتعمد حالة من عدم استفزاز الآخر المختلف عنه سياسيا وفكريا. لذا، كان مقربا وجدانيا من التيّار الإسلامي، وليس غريبا أن يكون جل من يرثونه الآن محسوبين بشكل أو بآخر على التيار الإسلامي والمتدين، لكنه في الوقت ذاته رفيق اليسار وصفيهم وأكثر من يثقون به. لقد استطاع غوشة اكتساب ثقة الجميع، من دون خطب عصماء ولا أفكار صدامية مع أحد، وفي الوقت ذاته بوضوح وصرامة ودونما لعب على وتر العاطفة.
لقد تساوَقَ الإعلام مع رغبة غوشة، طوال سنيّ حياته، بالزُهد وقلّة التناوُل، غير أنّ الفرصة الآن سانحة لتكريم الرجل ولو بصورة متأخرة؛ إذ يتعين أن يعكف ناشرون على إخراج مؤلفات له إلى النور مثل "بوابة الدموع" و"أضيء شمعة ـ مجموعة مقالات سياسية" و"أيام حلوة مرة" و"الأوضاع الديموغرافية في القدس"، كما يجدر بصحفيين وباحثين أن يتناولوا مؤلفات غوشة ونتاجه الفكري وتجربته الحزبية بكثير من التأمل والنقد والتحليل؛ في محاولة- ولو أنها تأتي لاحقا جدا-  لتكريمه وقول "شكرا" كبيرة له، إلى جانب محاولة الإفادة من أنموذجه الذي لم يكن شائعا في الوسط  القيادي الفصائلي الفلسطيني.