غلاف غزة العربي

د. محمود عبابنة
د. محمود عبابنة
لا بد من القول إن "طوفان الأقصى"التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد مستوطنات غلاف غزة في السابع من أكتوبر 2023 هي أخطر تحد واجهته دولة الاحتلال منذ قيامها سنة 1948، وشكلت منعطفاً مهماً في مجرى الهزائم المتلاحقة والهوان والذل والعجز المزمن الذي اعترى الأمة على مدى العقود الماضية، هذه الأحوال البائسة قبل السابع من أكتوبر 2023 كانت نتيجة تراكم جزء منه بفعل أيدينا والجزء الآخر والأكثر تأثيراً من صناعة قوى الهيمنة والاستعمار الدولية المعادية لهذه الشعوب، نتيجة سياقات تاريخية ومعادلة "يملك ولا يفكر ويفكر ولا يملك"ومن هنا تداعت فورا أميركا ودول الغرب، بقادتها وساستها وجيوشها وأساطيلها وجسورها الجوية والبحرية المحمّلة بأحدث الأسلحة وأفتكها، لإنقاذ الكيان الإسرائيلي من الزوال، بعد أن صرخ قادة إسرائيل أن وجود الدولة مهدد، وهذا لم يحدث منذ 75 سنة.اضافة اعلان
إن صدمة طوفان الأقصى الخطيرة بما حققته من اختراقات أمنية واستخباراتية وعسكرية، أثارت جنونهم ودفعت القيادة العسكرية الإسرائيلية للرد على العملية بشن حرب على السكان المدنيين بأعتى وأفتك أنواع الأسلحة والقنابل والصواريخ التدميرية الأميركية، إن ما يفعله الإسرائيليون في غزة هو الترجمة الحرفية لمعنى الإبادة الجماعية التي تتحقق يوما بيوم وبغطاء دبلوماسي وحماية من الإدارة الأميركية التي ما يزال مسؤولوها يرددون عبارة: "لم تتوافر لدينا أدلة أن الجيش الإسرائيلي يتعمّد قتل المدنيين».
ما يثير الغضب والحنق ليس فقط ما تقوم به دولة العصابة ودولة الهيمنة ودول التواطؤ الخسيس، بل حالة الاستسلام والشلل العربي الملفت للتعجب والسخرية، وحالة الذل التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ العربي فباستثناء اليمن الذي يحارب على جبهة البحر الأحمر لتضييق إكسير الحياة لدولة الاحتلال بالقدر الذي يستطيع، والأردن الذي يناور ضمن معادلة فنّ الممكن ويقوم بعمليات الإنزال وفتح المستشفيات الميدانية ويدافع عن الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية، وقد أبدع وزير خارجيتنا وتحدث الملك والملكة بما لا يجرؤ عليه أي زعيم عربي، فإن العالم العربي يقف على الحياد، شعوب غاضبة ثائرة وحكام ينادون بانتهاء دورة العنف، وترديد عبارة حل الدولتين والتعايش ووجوب وقف إطلاق النار، لكن كل هذا الرهط لم يجرؤ على إرسال مساعدات يتم إنزالها من الطائرات أو تشكيل قافلة سيارات من جميع الدول العربية وتدخل معبر رفح الذي هو معبر مصري- فلسطيني، أو حتى الانضمام كطرف ثالث إلى دولة جنوب أفريقيا في دعواها أمام محكمة العدل الدولية، حتى لغة التهديد التي تعودنا عليها عند أول سوء فهم عربي- عربي لم تخرج من حناجرهم أمام رقم مائة ألف شهيد وجريح من إخوتنا وأهلنا أبناء غزة، التاريخ لا يرحم والأيام القادمة حُبلى بأعصاير وطوفانات في غلاف غزة العربي.
على الزعماء والمؤثرين العرب الذين يملكون والذين لديهم أن يدركوا أن قوة المقاومة الفلسطينية هي قوة لهم إن كانوا منتمين لشعوبهم وأوطانهم، وأن هذه الفرصة فرصة تاريخية لإعطاء هذا الكيان المحتل حجمه الحقيقي، فلأول مرة منذ قيام الكيان الإسرائيلي يأخذ هذا الكيان صفة المفعول به، ويخسر الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف جيشه المحتل، وتتهشم هيبته وتسقط درة غروره وتبجحه بامتلاك الأمن والأمان، ويتعرض هذا الكيان لهجرة معاكسة زادت على 600 ألف مواطن، إذ أحسّ هؤلاء أن لا مستقبل لإسرائيل في وسط العالم العربي وبمواجهة شعب سرقوا أرضه، وأن فزعة زعماء الغرب الحاقدة العنصرية- وآخرها حربهم على الأونروا- التي انطلقت فورا يمكن ألا تحميهم إذا تغيرت الظروف، خاصة بعد أن رأوا انفتاح جبهات عديدة عليهم.