متى ستلفظ الديمقراطية الغربية أنفاسها الأخيرة؟

د. محمود أبو فروة الرجبي
د. محمود أبو فروة الرجبي
شكلت الديمقراطية الغربية على مدى مئات السنين حالة ملهمة للعالم كله، إذ أنها استطاعت أن ترسخ نفسها، وتعطي صورة للآخرين أنها ثابتة وشاملة، لا يمكن أن تتزحزح، ولديها مبادئ راسخة غير قابلة للتغيير أو التبديل، أو المساومة، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير وحقوق الإنسان، واحترام اختلاف الآراء، والحرية المطلقة والـمساواة التامة.اضافة اعلان
لم تتعرض الديمقراطية الغربية في تاريخها لمحكات خطيرة، كما حصل بعد أحداث السابع من أكتوبر، فقد تبين للناس أن هناك حدودا للتعبير في كثير من الديمقراطيات الغربية العريقة، وأنه لا يمكن اختراق بعض الحدود، ورغم أن هذه الدول كانت تعترض على تقييد الديمقراطية في دول العالم الثالث، وترفض فكرة أن لبعض الدول خصوصية فيما يتعلق بالمفاهيم الغربية لحقوق الإنسان، والحرية، وغيرها، ومع ذلك فإن ما يحصل الآن في غالبية هذه الدول صادم، ويدل على أن ما كان يحصل فيه كذب، ونفاق، وأن هذه الديمقراطية تصبح في خبر كان عندما تتصادم مع المصالح الإسرائيلية، أو تضر باللوبي الصهيوني. 
جادلت الدول الغربية كثيرا أن الحرية مطلقة، والديمقراطية لا يمكن أن تمس بأي شكل من الأشكال، وبدأت الإرهاصات الأولى التي وضعت الديمقراطيات الغربية على الـمحك عندما وجدنا أن بعضا من هذه الدول تؤيد دولا دكتاتورية، أو في حالات خاصة، فإن الولايات المتحدة الأميركية انقلبت على ديمقراطيات حقيقية في عدة دول لأن نتائج الانتخابات أتت بأحزاب أو أشخاص يخالفون مصالحها، ومع ذلك بقيت الديمقراطية الغربية في الحدود المعقولة الملهمة للآخرين.
المحك الخطير الذي جعل النظرة إلى الديمقراطية الغربية تتغير، هو تصرفات بعض الدول الغربية وردود فعلها على ما حصل في غزة، فناهيك عن تزويدها إسرائيل التي تقتل الأطفال، وتهدم البيوت بالأسلحة والذخائر والاعتراضات الخجولة عليها، وبأنها قامت – في غالبيتها - بمنع المتظاهرين من التعبير عن أنفسهم، وخاصة في الجامعات، فعندما خرج الآلاف في أماكن كثيرة من دول العالم الغربي للتعبير عن دعمهم لغزة، ومطالبتهم بوقف الإبادة البشرية التي تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني، فوجئ العالم بردود فعل كثير من الحكومات الغربية التي أصدرت قرارات بمنع التظاهر، وأيضا اعتقلت عددا من المتظاهرين، تحت حجج باهتة مثل معادية السامية التي أصبحت شماعة يتم عليها تعليق أي مخالفة للقيم الغربية، والتي تتم بها ملاحقة كل من ينتقد إسرائيل وتصرفاتها الطائشة الـمخالفة لأبسط حقوق الإنسان، وهذا يخالف المبادئ الأساسية التي قامت عليها الديمقراطية الغربية.
 ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد بتنا نرى رجال الشرطة يهاجمون المتظاهرين ويبطحونهم أرضا، ويضربونهم، ويضعونهم في سيارات الشرطة مكبلي الأيدي، وكأننا في دولة من دول العالم الثالث، ولم تقف هذه التداعيات عند هذا الحد، بل إن بعض الموظفين والأكاديميين تعرضوا للتهديد والفصل، لمجرد انتقادهم ما تقوم به إسرائيل من أعمال غير إنسانية، ووصل الأمر إلى منع ممثلين وفنانين من العمل لهذا السبب.  
والمستغرب من الجميع هو أننا لم نشاهد غالبية دول الغرب تندد بعملية قتل الأطفال الفلسطينيين، بل إن الخطاب الغربي ركز على مجموعة من الرهائن الإسرائيليين، وعددهم قليل، بينما لم يتم ذكر أي شخص آخر من الطرف الفلسطيني، والأدهى من ذلك أنه لم يتم التطرق أبدا إلى الأسرى الأطفال، وعددهم بالآلاف في السجون الإسرائيلية وكأنهم ليسوا بشرا.
ولو أعطينا مثالا بسيطا على هذا الكيل الجائر، سنشير إلى خطاب واحد للمستشار الألماني في لقائه الصحفي الذي جمعه بالرئيس التركي عندما أشار إلى الرهائن الإسرائيليين والقتلى منهم في الـمعركة، ولم يشر ولو بكلمة واحدة إلى أكثر من ثلاثين ألف شهيد من المدنيين الفلسطينيين جلهم من الأطفال والنساء، بل ولم يتطرق إلى الأسرى الفلسطينيين وبعضهم موجود في السجون الإسرائيلية منذ عقود، ومنهم أطفال ونساء، وهذا يظهر وكأن العقلية الغربية لا تعتبر الطرف الفلسطيني بشرا، وهذا يظهر بلا شك بأن هناك تمييزا حقيقيا بين البشر، وهذا يخالف المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، من الـمساواة، وحقوق الإنسان. 
ومن الجدير ذكره في هذا السياق، أننا عندما نذكر ما قاله المستشار الألماني، فهذا لا يعني أن خطابه معزول، بل هو جزء من موجة سائدة، تتبنى الخطاب التمييزي نفسه ضد الفلسطينيين، وهناك أيضا خطابات الرئيس بايدن التي تركز في غالبيتها على الجانب الإسرائيلي، ونستثني من ذلك الموقف الإسباني، ومواقف بعض الدول الأخرى التي سارعت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
موضوع عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، يشكل انتهاكا صارخا للمواثيق والعهود الدولية، فحسب القانون الدولي فإن الضفة الغربية وغزة محتلة، وهذا يعني أن من حق الفلسطينيين إقامة دولة فلسطينية على أرضهم، ومع ذلك فهناك دول ترفض ذلك وعلى رأسها الولايات الـمتحدة.
وفي ظل المعطيات السابقة تأتي حجة مضللة تستخدمها غالبية الدول الغربية، ويرددها الإعلام في أكثر من دولة، وهي أن الـمشكلة بدأت من خلال أحداث السابع من أكتوبر، رغم أن هذا الأمر غير صحيح، فالمشكلة الحقيقية، بدأت منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948 وما تبعه من تداعيات تشريد الشعب الفلسطيني، وسرقة، أرضه، وسلب حقوقه، وهذه المقاربة تتبناها الأردن وغالبية الدول العربية التي ترى أن ما حصل في السابع من أكتوبر هو نتيجة، وليس سببا. 
ما نراه ونشاهده من أحداث في الغرب تدل على أن الديمقراطية الغربية في خطر شديد، وهناك انتهاكات صريحة وواضحة، وغير مسبوقة للمبادئ التي تم المناداة بها لمئات السنين، فهل يعقل أن يتم حرمان طلبة انهوا دراستهم من التعيين في شركات كبرى، لمجرد قيامهم بالتعبير عن أنفسهم، وهل من الـمعقول فصل نائب لوقت معين لأنه لوح بالعلم الفلسطيني، وعبر عن نفسه، ومن يصدق أنه يتم منع أستاذ جامعي من دخول دولة لأنه ينتقد إسرائيل. 
وقعت الديمقراطية الغربية في فخ التعريف الفضفاض لمعاداة السامية، بحيث بتنا نعيش في بعبع أن مجرد انتقاد قتل طفل فلسطيني على أيدي سلطات الاحتلال، أو تفجير مربع سكني في غزة يعتبر معاداة للسامية، وكأن إسرائيل أصبحت فوق المساءلة، ولا يجوز انتقادها، بينما كنا نعاني قبل أشهر من مناقشة موضوع الإساءة للدين الإسلامي حيث حاججنا الغرب أن هذا يقع ضمن حرية التعبير، بينما انتقاد قتل الأطفال لا يعد من حقوق أي إنسان يريد انتقاده. 
تاريخيا، حدثت بعض المحكات التي تظهر أن بعض الدول الغربية تخالف مبادئها الديمقراطية عندما يتعلق الأمر بالتعارض مع مصالحها، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، فقد شهدنا خلال التاريخ الحديث تشجيعا لأنظمة ديكتاتورية، ورفض نتائج انتخابات ديمقراطية حقيقية، عندما تكون نتائجها غير متوافقة مع مصالح هذه الدول، أو عندما تأتي بأحزاب أو أفراد يعارضون إسرائيل، أو قد يشكلون خطرا عليها، ولا داعي لذكر بعض هذه الأمثلة هنا فالذاكرة العالمية ممتلئة بها، إلى حد أن أميركا تدخلت أحيانا لخلع حكام جاءوا بصناديق الاقتراع، في تحد للمبادئ التي تقال باللسان، ولا تجد لها في الواقع تطبيقا. 
ما حصل في الفترة الأخيرة يدل على أن الديمقراطية الغربية في خطر، وما دام هناك حراك شعبي وطلابي في غالبية هذه الدول، يتعارض مع ما يريده اللوبي الصهيوني، والقوى المؤيدة له، فقد تصل هذه الاحتجاجات إلى مستوى غير مقبول لدى هذه القوى، تنعكس على صناديق الانتخابات، ووقتها قد تنقلب هذه الدول على الديمقراطية في عقر دارها، وقد نجد مفكرين يروجون لفكرة أن حكم الشعب غير قابل للتنفيذ لأن الناس تعادي السامية أو لأنهم أصبحوا أغبياء لا يستحقون أن يحكموا أنفسهم.  
إذا استمرت الأحداث بهذه الوتيرة، ومع ثورة الاتصالات، والإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد لا نستغرب أن تصبح الديمقراطية الغربية من الـماضي، فإسرائيل وحسب ما تثبت الوقائع أقوى من كل القيم، والأخلاق، والمعايير، والمبادئ، والزمن كفيل بإثبات ذلك.