مخاطر الهوية الرقمية والخريطة الشخصية العالمية

د. محمود أبو فروة الرجبي
د. محمود أبو فروة الرجبي

لا يعرف كل شخص لديه حساب أو أكثر من خلال منصات التواصل الاجتماعي، أو تطبيقات الإنترنت أن حياته تصبح مستباحة بشكل أو بآخر، مهما كان حريصا عليها، وأن هذه الـمنصات والتطبيقات تقوم ببناء هوية رقمية خاصة له تتشكل بناء عليها خريطة شخصية رقمية تحدد مواقفه، تفضيلاته، سلوكه الشرائي، وغيرها، بهدف تجاري بالدرجة الأولى وهو توجيهه إلى استهلاك سلع معينة، أو ليصبح أكثر ميلاً للإنفاق والشراء، وهذا لا يمنع من وجود أهداف أخرى.  اضافة اعلان
الـمقصود بالهوية الرقمية هنا ليست ما تعمله الحكومات بهدف تسهيل حياة المواطنين من خلال استخدام الوسائل الرقمية للقيام بمهمات معينة بل ما يتم جمعه من معلومات حول سلوكك في منصات التواصل الاجتماعي ومختلف التطبيقات التي تستعمل الإنترنت كي يتم التعامل معك من خلال الإعلانات والتفضيلات بشكل أفضل.
ويعتمد بناء الهوية الرقمية على جمع معلومات تستند إلى الآراء والـمواقف الـمختلفة للشخص، ويأتي هذا من خلال منشوراته الـمختلفة على منصات التواصل الاجتماعي، وتعليقاته، وآرائه التي يبثها أو ينشرها بمختلف الوسائل، ثم تأتي هوية التفضيلات وهذه تشمل كل ما يقرأه أي شخص، أو يهتم به، أو يبدي إعجابه به، أو يشتريه، أو يبحث عنه، أو حتى الأماكن التي يزورها في الواقع، خاصة التجارية منها، وذلك كله يؤدي إلى بناء هوية رقمية أو خريطة شخصية رقمية، تساعد الـمنصات أو محركات البحث على توجيه الإعلانات لكل شخص بناء على تفضيلاته، ونوعية شخصية، أو من أجل جعل تهديف الإعلانات (أي وصولها إلى الشخص) أكثر دقة.
إذا الأساس في بناء الهوية الرقمية هو تجاري، لكن ماذا عن الجانب الآخر، وخاصة التخوفات من استغلال أجهزة أمنية عالـمية لهذا الأمر، أو ربما تسريب معلومات، أو بناء معلومات مضللة مستندة إليها، أو حصول عمليات ابتزاز للأشخاص والشركات من ورائها؟ 
قد يتم استغلال هذه البيانات لبناء مؤشرات أكثر دقة من الاستطلاعات عن توجهات الناس، إضافة إلى أن الهوية الرقمية مهمة في تحديد السجل الجرمي لأي شخص (الآن تستخدم بشكل بسيط من خلال تحليل شخصي للمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي)، كما أنه يمكن من خلال الهويات الرقمية تحديد توجهات الشعوب، وأخذ مؤشرات قوية حول خياراتها، وتفضيلاتها الـمختلفة، مما يعطي صورة لبعض الدول حول التوجهات الحقيقية لها، ويمكن مستقبلًا استثمار ذلك في الدول نفسها من خلال الحكومات لاستشعار رغبات الناس، وتوجهاتهم الـمختلفة مما يساهم في الجانب الإيجابي ببناء خطط أكثر فعالية، وقدرة على إحداث التنمية المستدامة، وبناء واقع أفضل لهم. 
ولهذه الهويات الرقمية نتائج قد تكون إيجابية أو سلبية، فشخصيا، أتوقع الـمستقبل القريب أن يتم عمل شركات استشارات حول شخصيات معينة بناء على تحليل الهوية الرقمية الـمجموعة من خلال الإنترنت، بحيث تستطيع وقتها اختيار شريك حياتك الأفضل، أو حتى الوصول إلى أصدقاء أقرب لخريطتك الشخصية، ولن تصدم مستقبلًا عندما تطلب من هذه الشركات أن تعرفك بنفسك أكثر، لأنها وقتها ستمتلك إحصائيات، ومؤشرات قد لا تمتلكها أنت عن نفسك. 
ويمكن في هذا السياق ذكر بعض المخاطر خول الهوية الرقمية، مثل: 
أولًا: كشف خصوصيات الناس، وعملية وجود هذه الخصوصيات في يد شركة، أو أشخاص على مستوى العالم، قد يؤذي البشرية، ويؤدي لبناء نماذج تعاملية معهم تزيد من السيطرة عليهم، أو جعلهم أكثر إدمانا للشراء، أو 
ثانيًا: تعقب المعارضين في بعض الدول القمعية، وتحديد من لديهم آراء مختلفة عما هو مطلوب فيها. 
ثالثًا: إغراءات الاستهلاك والشراء بحيث تقوم الشركات بمعرفة كيفية إقناع الناس بمزيد من الشراء، والدخول إليهم بطرق إقناعية غير متوقعة، لا يمكن الوقوف بوجهها. 
رابعًا: الاستغلال من خلال دخول بعض الأشرار إلى تطبيقات تجمع البيانات، لتسهل وصولهم إلى ضحايا محتملين. 
خامسًا: صعوبة أن يغير الإنسان من مسار حياته، عندما ترتسم هويته الشخصية بأسلوب معين، فالإنسان يتغير، وقد يصل إلى معطيات تجعله يغير بعض أفكاره، ولكن الإنترنت يكون شاهدا عليه وكأنه لا يتغير.
سادسا: مخاطر أخرى؛ مثل سرقة الهوية الرقمية، التلاعب بالبيانات، سهولة بناء محتوى مضلل قابل للتصديق. 
كل ما ذكر سابقًا يتطلب من البشرية أن تضع قوانين حماية للبشرية من أهوال الهوية والخريطة الشخصية الرقمية، وأن يتم توعية الأطفال في مرحلة الـمدرسة بكيفية التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الإنترنت كي لا يتم رسم هوية سلبية عنهم. 
ومع ذلك فإن للإنترنت وهويته الرقمية عددًا من الإيجابيات التي قد تساهم في جعل المخططين يصلون إلى خطط أفضل لتجعل البشرية في وضع أحسن.