مصطفى البرغوثي.. قوي أنهكته الحرب

د. رشا سلامة
د. رشا سلامة
كان الشعب الفلسطيني على موعد مع عائلة قدمت نخبة من الوجوه الرائدة على أصعدة عدة. عائلة البرغوثي، الممتدة في قريتي دير غسان وكوبر في محيط مدينة رام الله.اضافة اعلان
«البراغثة» جادوا بالسياسي المعتقل مروان البرغوثي، والشاعر الراحل مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم، والروائي الراحل حسين البرغوثي، فالصحفي المخضرم والروائي حافظ البرغوثي، وواحدة من الشخصيات الأبرز في تكريس المقاطعة لكيان الاحتلال دوليا عمر البرغوثي، وليس انتهاء بالفنانة الصاعدة ناي البرغوثي.
لا يمكن بمكان إغفال النقطة هذه؛ إذ يبدو أن المناخ العائلي العام الذي ينضج تجربة «البراغثة» على درجة ما من الفرادة، لربما من حيث سوية التعليم التي تمتعت بها هذه العائلة منذ أجيال سابقة، ولربما تكون الطبيعة المميزة لمناطق هذه العائلة قد أثرت أيضاً، أو أنها روح التنافس التي تنشأ على نحو عفوي نبيل، فتكون المحصلة تميزا جماعيا.
ولا يبدو السياسي والإعلامي الدكتور مصطفى البرغوثي منتزعا من هذا السياق؛ ذلك أنه لا يدخر جهدا في توجيه الخطاب الإعلامي الفلسطيني الحر المستقل، عربيا وغربيا، منذ بدء الحرب على قطاع غزة، حتى باتت ملامح الإنهاك ظاهرة أيما ظهور على محيّاه ونبرة صوته.
الحكاية بدأت منذ ما قبل الحرب؛ إذ تلقى البرغوثي تعليما عاليا، فكان الطب (وهذه بحد ذاتها ظاهرة في فلسطين وحركة القوميين العرب، بدءاً بجورج حبش ووديع حداد، مروراً بحيدر عبد الشافي وأحمد الطيبي وليس انتهاء بالبرغوثي)، كما آخى هذا التخصص بآخر في الفلسفة وثالث في بناء المنظومات الإدارية، في قطبي العالم آنذاك: روسيا وأميركا، فاطلع على كلتا التجربتين السياسيتين المتناقضتين، بالإضافة لهذا كله برز الجانب الإبداعي ونزعة الأضواء لدى البرغوثي، كما هو دأب عائلته؛ فاهتم باللغة وحرص بالفعل أن يكون متحدثاً متمكنا بالعربية والإنجليزية، عدا عن اهتمامه الأكبر الذي انصب على الجانب الإعلامي، إلى حد لم يكتف فيه بتأسيس معهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية ومن ثم الراصد الفلسطيني؛ بل أمسك بحقيبة وزارة الإعلام في حكومة الوحدة الوطنية في العام 2007.
العنوان الأبرز لتجربة مصطفى البرغوثي: الاستقلالية؛ إذ وسمت خطواته منذ البداية، ولعل هذا ما جعله محبوبا وموثوقا به من قبل الغرب، فيما قلل من جماهيريته وتأثيره فلسطينيا؛ ذلك أنّ الطابع العام للتجربة السياسية الفلسطينية هو الفصائلية؛ إذ قلّما يلمع نجم شخصية ما لا تنضوي تحت لواء فصيل بعينه.
ليست الاستقلالية فحسب؛ بل إنّ الخطوات السياسية التي يتخذها البرغوثي تبدو في مرات بعيدة عن السياق الذي اعتاده الشعب الفلسطيني؛ ذلك أن الرجل يتحدث عن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، وعن حركات الإغاثة الطبية، وعن التعاون مع مؤسسات دولية من شأنها الإسهام في حماية الشعب الفلسطيني وفي الوقت ذاته التضييق على كيان الاحتلال من خلال حملات المقاطعة. بل في الوسع قول إنّ المصطلحات الآنفة باتت أكثر ما ترتبط بالبرغوثي، في الضفة الغربية تحديداً، إلى حد جلب عليه وابلاً من الانتقادات ممن يجابهون تغول المنظمات الأجنبية غير الحكومية في فلسطين.
وفي الوقت الذي يمسك فيه البرغوثي بتلابيب الخطاب الإعلامي باقتدار بالغ، ما يحيي شريحة التكنوقراط التي قنّنت القيادة الفلسطينية من حضورها على مدار عقود، فإنه يتماهى بشكل متعمد في مرات مع الطروحات الشعبوية، بل إنّ بعض هذه الطروحات جاء مخالفا لنهج البرغوثي السياسي، كمثل قوله «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» فيما هو على رأس من كانوا ينادون بالمقاومة الشعبية السلمية.
وفي وقت قد يختلف فيه أيديولوجيا مع كل من الرئاسة الفلسطينية وحماس على السواء، فإنه يقف منهما على المسافة ذاتها، ويتزعم في معظم الأوقات إن لم تكن جميعها جهود المصالحة والتوفيق بينهما.
قد يرى بعضهم أنّ ثمة براغماتية في الأمر، لكن من يراجع المبادئ التي تقوم عليها المبادرة الوطنية الفلسطينية، التي يشغل البرغوثي منصب أمينها العام، يجدها متساوقة تماماً مع شخصيات مؤسسيها: الدكتور حيدر عبد الشافي والمفكر الراحل إدوارد سعيد والمهندس والسياسي إبراهيم الدقاق؛ حيث حاول مؤسسو هذه المبادرة تقديم خطاب فلسطيني لا يثير إلا حفيظة الاحتلال الإسرائيلي، من دون الانحياز لطرف دون آخر، بل بتوازن تام وتأكيد على الثوابت الوطنية.
وبالقدر الذي يرتاح فيه المستقلون لخطاب كهذا وكذلك النشطاء الأجانب في الحق الفلسطيني والمؤسسات الأجنبية غير الحكومية، فإنّ من أدمنوا الحياة السياسية الفلسطينية ونشأوا على فكرة القيادة المركزية والكلاسيكية والفصائل ذات التوجهات الصريحة وإن لم تكن متوازنة، لم يجدوا في المبادرة الوطنية الفلسطينية وشخصياتها ما يغريهم كثيراً.
فهل منحت السياسة الفلسطينية فرصة كافية لشخصيات نخبوية مثل مصطفى البرغوثي وحنان عشراوي وحيدر عبد الشافي وإدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وغيرهم ممن يمثلون الصفوة الفكرية والأكاديمية؟