مقترحات لتطوير إستراتيجية السياحة الأردنية

نضال بني عيسى
نضال بني عيسى

منذ بدء الأحداث في غزة، وما أنتجته من تداعيات سياسية واقتصادية، فإن الأردن يتأثر دائما وتنعكس تلك التداعيات على مجمل القطاعات الاقتصادية وفي مقدمتها القطاع السياحي، فالمطلع على الوضع السياحي في الأردن يمكنه ملاحظة تراجع السياحة بشكل كبير متأثرة بالأوضاع في غزة بخلاف العديد من الدول المحيطة.اضافة اعلان
إن الموسم السياحي في المملكة وعلى مر السنوات يبدأ في شهر مارس وينتهي في شهر مايو، ثم يبدأ مجددا في وسط سبتمبر وينتهي في ديسمبر من نفس العام، وهكذا دواليك، رغم وجود طفرات في بعض السنوات كما حصل في عامي 2019 و2023، وهذه الظاهرة معروفة لدى العاملين في القطاع السياحي. 
وفي جميع الأزمات التي مرت في العالم، يمكننا أن نلحظ تأثر الأردن بتلك الأزمات بشكل مباشر وقوي، نذكر على سبيل المثال حرب الخليج، وأحداث 11 سبتمبر، والانتفاضة والثورات التي قامت في بعض دول الجوار وأحداث الربيع العربي، والحرب على سورية وغيرها، ولعل آخرها ما يحدث على الساحة الفلسطينية حاليا، فإننا نجد بأن كل هذه الأزمات قد أوقفت بشكل شبه كامل عجلة السياحة وأصابتها بالشلل.
ولدى إمعان النظر ببعض دول الجوار ومنها مصر الشقيقة مثلا ودبي وتركيا وغيرها، فإننا نجد بأن العجلة السياحية لم تتوقف بتاتا كما يحدث في الأردن، ولقد كنت في زيارة مؤخرا وأثناء الأحداث الحالية في إحدى الدول المجاورة لحدود فلسطين، ووجدت أن حجم إلغاء الحجوزات لا يذكر مقارنة مع حجم الإلغاءات في الأردن. 
نحن نعي أن قرب الحدود وطولها وتاريخ الأردن الجغرافي والسياسي والاجتماعي مع فلسطين يختلف عن باقي دول العالم، وبحكم أن الأردن بقيادته الحكيمة يعتبر كل هذا من ضمن مسؤولياته الأولى تماما كما هي الأردن، وكما نعي بأن الأخبار المغلوطة من بعض وسائل الإعلام العالمية المتداولة عن الأردن؛ تؤثر بشكل كبير على الواقع السياحي وتزيد من حجم الإلغاءات.
ومع ذلك وفي كل مرة يتكرر المشهد السياحي منذ عقود ودون تغيير، وتعود الدائرة نفسها وذات المبررات نسمعها مرارا، من أن موسمية السياحة سيدة الموقف، وأنه وفي كل مرة تشتد فيها الأزمات لا نجد الحلول، أي حلول، أو خططا بديلة، ففي الأشهر الستة المعتاد عليها؛ نعاني عادة من رفع الأسعار بشكل عام، ونفتقد للبنية التحتية من أماكن الإيواء، ونقص في وسائل النقل والإرشاد السياحي وغيرها من التحديات، ومن ثم نعود في الأشهر الأخرى لنواجه حالة نقيضة إذ يبدأ مقدمو الخدمات السياحية بالشكوى من انحسار سوق العمل، وتنخفض الأسعار إلى النصف، ويمكن أن نعزو ذلك إلى موضوع العرض والطلب، وتبقى المشكلة قائمة؛ ألا وهي موسمية السياحة، والتي يمكن اعتبارها ظاهرة من صنع بعض الظروف وليست حتمية. 
كانت هنالك جهود لا يمكن نكرانها لوزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة في مختلف مجالات التسويق وتوقيع الاتفاقيات مع الطيران العارض والملكية الأردنية وغيرها، ولكن باعتقادي أن هذا لا يكفي لحل مشكلة الموسمية، بل يجب التركيز على السياحة المستدامة، وبناء اشتراطاتها من جديد، فنحن بحاجة لخطط بديلة وجادة في إيجاد الحلول، وتطوير إستراتيجية تحل هذه العوائق التي بإمكاننا ومقدورنا تجاوزها بالعمل الجاد. 
يجب الأخذ بعين الاعتبار أن سيد البلاد ركز على صناعة السياحة وتشجيع الاستثمار في أكثر من مرة، وهناك الكثير من الجمعيات واللجان المعنية بتطوير السياحة، ومنها لجنة السياحة في مجلس الأعيان ولجنة السياحة في مجلس النواب، وجمعية مكاتب السياحة والسفر والنقل والأدلاء والتحف والمطاعم وغيرها، ولكن هنالك تشتت لهذه الجهود التي يقوم بها الجميع، ولهذا فإنني أقترح لتشكيل مجلس أعلى للسياحة يضم في جنباته كافة هذه الأطياف لدراسة كافة الجوانب والخروج بحلول ومقترحات من شأنها النهوض بالقطاع، وعلى أن يكون هنالك دور فاعل لشركات السياحة والأدلاء السياحيين خاصة بوضع هذه الإستراتيجية، كونهم الأقرب إلى أرض الواقع والتعامل المباشر مع السواح. 
ومن هنا يمكن البدء بالعمل على السياحة المستدامة وتذليل العقبات من خلال الجهات الرسمية التي تواجه الاستثمار في كافة مناطق المملكة، والعمل على إحياء المناطق التي تفتقر إلى السياحة في مختلف المحافظات، ووضعها على الخريطة السياحية والتركيز عليها، وعلى دعم المجتمعات المحلية، وتمكين المرأة من القيام بدورها في هذا القطاع ودعمها، ودعم منتجها حتى نتكمن من الاستفادة من قدرات المرأة في هذا المجال، ودعمها للانخراط بسوق العمل السياحي ليكون لها دور أكبر في المستقبل. 
آن الأوان لتغيير الخطط والمناهج المعتادة وتكثيف الجهود لإيجاد البدائل والعمل الجاد من أجل إنقاذ هذه الصناعة التي تدر على بلدنا الحبيب ما لا يقل عن 16 % من الناتج المحلي. 
سائلين المولى أن يفك الغمّة عن أهلنا وأن يحفظ الأردن وأهله في ظل صاحب الجلالة، وولي عهده دائما بخير.