موت الليبرالية الغربية مسألة وقت

د. محمود أبو فروة الرجبي
د. محمود أبو فروة الرجبي
عند سقوط جدار برلين، وذوبان الاتحاد السوفيتي، والشعور بنشوة الانتصار في الغرب ظهرت نظرية «فوكوياما» الفيلسوف الأميركي حول نهاية التاريخ في العام 1992، والتي تفترض أن الليبرالية وقيمها في الحرية، والـمساواة، والعولمة، والرأسمالية الاقتصادية هي ذروة تطور الإنسان، وهذا يعني أنه لن ينتج الإنسان نظامًا آخر أفضل منها، لأن الإنسان ومنذ فجر التاريخ يسعى إلى بناء حضارة أفضل، وعلى مر الأيام سقطت حضارات، وأنظمة، من أجل أن نصل إلى نهاية التاريخ، حيث وصل الإنسان إلى ما يريده. اضافة اعلان
لن نناقش في هذا الـمقال مآلات هذه النظرية التي تحتضر – حسب وجهة نظر البعض-، ولكننا نريد أن نتحدث باللغة التي يفهمها الإنسان البسيط بعيدًا عن الافتراضات الفلسفية.
إذا نظرنا إلى عالم اليوم، هل يمكن أن نجد عاقلًا يتحدث عن أننا نعيش في أفضل عصور الحياة المليئة بالعدالة والمساواة، وحسن توزيع الثروة، وغيرها؟ 
هل انتهت الصراعات في العالم؟ وفي حالة وجود استقرار في منطقة ما، فهل هذا الاستقرار ناتج عن العدالة، ورضا الناس بما قسم لهم، أم أن سببه القمع، وعدم قدرة الناس على التعبير عن أنفسها؟
ولننظر في إحصائية لها علاقة بالبعد الاقتصادي للحضارة الغربية القائم على حرية الاقتصاد بالكامل، وإزالة كل أنواع الحماية الاجتماعية عن الفئات الأقل حظًا، أو التي لا تستطيع المنافسة في عالم يعتمد على مبدأ «الأقوى يعيش والضعيف تدوسه الأقدام».
 تشير هذه الإحصائية إلى أن الفقر في الدولة الأعظم في العالم أميركا قريب من نسبة 12 % وأن هناك أكثر من أربعين مليون أميركي لا يجدون مكانًا يسكنون فيه فيفترشون الأرض، أو ينامون في سياراتهم، وإذا أردت أن ترى الـموضوع بعيدًا عن المبالغة، أو التحيز، يمكنك البحث في أفلام قناة (DW) الوثائقية، وتشاهد فلما بعنوان «الفقر في أميركا» حيث ترى الرأسمالية غير المنضبطة بكل تفاصيلها، وتستغرب أننا نعيش في العام 2024 وتجد شخصًا يعيش في أعظم دولة في العالم «الولايات المتحدة الأميركية» ولا يجد ما يكفيه من الطعام، بل وينام في سيارته بسبب أنه مرض ولم يعد قادرًا على العمل لساعات طويلة، في ظل نظام اقتصادي سريع جدا، يدوس كل من يتراخي على الـمشي بسرعته، أو من يتعرض لأقل نوبة مرضية. 
وتزداد الأسئلة المستغربة عندما نعلم أن هذه الدولة التي تضم الأربعين مليون مشرد تنفق على الجيش أكثر من 753 مليار دولار سنويًا، وإذا دققنا في الـموضوع، فإن الهدف من بناء أي جيش وقوة عسكرية في العالم هو الوصول إلى أن يعيش شعبها بأمان، فهل يمكن أن يكون هناك هذا العدد الضخم من المشردين ونتحدث عن الأمان؟ ولن أناقش هنا مسألة انتشار الأسلحة في أميركا، ونسبة الجريمة العالية، وعدم شعور الناس بالأمان، واضطرارهم إلى التسلح لحماية أنفسهم، والـمفاجأة الأكبر تكون، أن الدولة الأعظم في العالم تضم في سجونها 2.3 مليون سجين أي 756 سجيناً لكل مائة ألف، وبحسبة أخرى فهم يشكلون ربع مساجين العالم.
هذا في أميركا، أما في العالم، فإنه وحسب إحصائيات البنك الدولي فهناك أكثر من 700 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع في العالم، أي أنه لا يزيد دخل الواحد منهم 2.15 دولاراً يوميًا، ويعاني العالم منذ عام 2020 – بسبب الكورونا  وما بعدها – تراجعًا كبيرًا في الدخل، وبات حلم القضاء على الفقر في عام 2030 بعيد المنال.
وفوق كل ما ذكرناه سابقًا فإن هناك تفاوتا هائلًا في الثروة، بحيث أنه تستطيع أن تقول إن كل دولة في العالم تضم عددًا قليلًا من الناس يسيطرون على غالبية الثروة في ذلك البلد، وبينما يموت 11 شخصًا كل دقيقة بسبب الجوع وسوء التغذية في العالم، حسب إحصائيات منظمة «أوكسفام» (Oxfam) الدولية. 
وننتقل إلى الـموضوع السياسي وسيطرة عدة دول على مجلس الأمن، ووجود دولة الاحتلال التي تقتل، وتدمر، وتغتال الكوادر الطبية، والأطفال، وتتمتع فوق ذلك بدعم الدول الغربية راعية الليبرالية، والقيم الإنسانة العظمى، ودون أن يرف جفن لقادتها، أو شعورهم بالذنب وللآن فإن أكثر من 28000 ألف شهيد ارتقوا في غزة، والعدد مرشح للازدياد، ولا دولة كبرى في الغرب تدين ذلك. 
وهذا كله يدعونا إلى التساؤل: هل الليبرالية الغربية هي قمة الحضارة التي لا يمكن للبشرية أن تنتج أفضل منها؟ أما آن الوقت كي تصل البشرية إلى نظام بشري أكثر عدالة قائم على القيم الإيجابية، والـمساواة الحقيقية؟
هل يمكن لنظام عالمي قائم على التمييز، والكيل بألف مكيال، وعلى مراعاة أصحاب الثروة، أن يستمر؟ ومن الـمعروف ضمن الصيرورات التاريخية أن البشرية تقدم في كل فترة نظامًا جديدًا في محاولة للوصول إلى العدالة، والإنسانية. 
ما بين اللحظة والأخرى ستولد البشرية نظامًا عالميًا أكثر عدلاً قائمًا على الـمساواة بين الجميع بغض النظر عن اللون، والجنس، والدين، والعرق، ويبدو أن ما يحصل في غزة قد سرع من تعرية هذا النظام العالمي البشع الذي يرضى ببساطة أن يتم تجويع مدينة صغيرة، وقتل أطفالها، وقصف مستشفياتها، وقتل الـمرضى فيها، وهو ما زال ينتظر التحقيق وكأن المحسوس يحتاج إلى من يثبت وجوده.
ستموت الليبرالية الغريبة، وتدفن في القبر نفسه الذي توضع فيه نظرية نهاية التاريخ للفيلسوف فوكوياما.