هل تحتاج اللغة العربية للحماية؟

د. محمود أبو فروة الرجبي
د. محمود أبو فروة الرجبي

لا نكون مبالغين عندما نتحدث عن أن الاهتمام باللغة الأم جزء حيوي جدا من الأمن الوطني، والقومي لأي بلد، فهي أساس الهوية التي تشكل ثقافة وحضارة أي أمة، وبالتوازي مع ذلك فهي تعطي ميزات عديدة لأي شعب، ويتعدى تأثيرها اللسان، بل تنعكس على الثقافة بشكل عام، وطريقة تكوين الشخصية، والعقل الجمعي للشعب، فكيف الحال باللغة العربية؟اضافة اعلان
يحق لنا أن نفخر بلغتنا العربية، فهي الأكثر ثراء في العالم، ولديها ميزات تجعلها قادرة على مواكبة العصر، والصمود في ظل متغيرات رقمية خطيرة، وعلى مر السنوات الطويلة السابقة، أثبتت أنها قادرة على التأقلم، والعيش في ظل ظروف مضطربة، ولكن.. هل يمكن لنا نحن محبي اللغة العربية أن نركن إلى هذه الحقائق التاريخية، ونقول إنها ستصمد أمام المد الرقمي الناتج عن الإنترنت، ونضع رؤوسنا على وسائدنا ونرتاح؟ 
الإجابة بلا شك لا. يعيش العالم في ظل تسيد غير مسبوق للغة الواحدة، وهي اللغة الإنجليزية، وباتت لغات كانت تعد من اللغات المحصنة أو المحمية جزءا من اللغات المهددة بالانقراض، أو على الأقل فقدان هويتها الحقيقية، واستعارتها لأكثر المفردات الدراجة بين الناس من الإنجليزية، ولن نلتفت كثيرا إلى من يقلل من شأن هذا الخطر على اعتبار أن الإنسان في ظل الرقمية وتطبيقاتها ليس بحاجة إلى تعلم أخرى، لأن الأجهزة تستطيع أن تترجم أي كلام مكتوب، أو مسموع، والسبب أن التفاعل مع التطبيقات، وكثرة استخدام اللغة، يجعلها أكثر شيوعا في الاستعمال من اللغة الأصيلة للشخص. 
لذلك لا بد من وجود خطط حماية للغة العربية، لأن الوقت الذي يمر ليس في صالحنا، صحيح أن هناك مشاعر قوية من غالبية العرب اتجاه لغتهم، وحب كبير لها، ولكنه لا يتعدى المشاعر، ولا ينعكس على شكل اهتمام حقيقي بها، أو دراستها، وإتقانها. 
اعتقد أن أول وسيلة لدعم اللغة العربية وحمايتها، هي دراسة تغيير طريقة تدريسها في الـمدارس والجامعات، حتى تكون مخرجاتها أقوى، وأفضل، وبمراجعة طريقة التدريس يجب أن نعرف لماذا باتت نسبة من الطلبة يعتقدون اعتقادا جازما أن العربية لغة صعبة، فليس من الـمعقول أن يأخذ الطالب أربع أو خمس أو ست حصص أسبوعيا، لمدة 12 سنة، ثم يتخرج من التوجيهية لا يفرق بين الفعل والفاعل، ولا يعرف ماذا نعني بالجر، فيمكن لوزارة التربية والتعليم أن تقيم طلبتها، ومعرفة نسبة من يتقنون منهم المهارات المطلوبة فيها ولماذا؟ ومهما كانت النتائج فهي لا تقلل من الجهود المبذولة في الميدان لتطوير التعليم، والوصول به إلى حالة أفضل، بل الهدف هو وضع اليد على مكان الألم، لمعالجته بأسرع وقت ممكن، والوقت ليس في صالح لغتنا للأسف.
الوسيلة الثانية لدعم اللغة العربية وحمايتها هي دعم الـمحتوى الرقمي الصديق للغة العربية في منصات التواصل الاجتماعي من أجل تعويد الناس على سماع اللغة العربية بشكل صحيح، وإضافة إلى ذلك، يمكن تشجيع طلبة الـمدارس على مشاهدة الأفلام الوثائقية التي تقرأ فيها النصوص بشكل صحيح، وبذلك نضرب عصفورين بحجر واحد، تتعود أذن الطلبة على اللغة العربية الصحيحة، وفي الوقت نفسه يكتسبون ثقافة واسعة من خلال الـمعلومات التي تطرح عن طريق هذه الأفلام، ويجب أن تكون هذه المشاهدة بمعدل ساعتين على الأقل أسبوعيًا، وهو جزء من العملية التربوية التي تفيد الطلبة، وتثقفهم، وتوعيهم، وتكسبهم أساليب لغوية جديدة. 
الوسيلة الثالثة هي ضرورة الـمحافظة على قراءة نشرات الأخبار بالعربية الفصحى، فلا ندري ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة، ومع انتشار الفضائيات الخاصة، فلن نتفاجأ عندما نرى بعض هذه الفضائيات تبث الأخبار – وهي الملجأ الأخير الذي نستمع من خلاله للغة العربية باللهجات العامية – كما يحصل الآن في إحدى الدول العربية-، وفي قنوات عربية تبث النشرات الفنية باللهجات العامية، ومن الضروري تشجيع بث البرامج الدينية، والثقافية باللغة العربية الفصحى، كما أن إعادة إنتاج المسلسلات التاريخية، والحفاظ على الدبلجة بالعربية الفصحى يساهم في تحقيق هذا الهدف النبيل.
أخيرًا لا بد من الإشارة إلى أن القدرة على الابتكار، والاختراع، والدخول في عصر الابتكارية يساهم في دعم لغتنا، فمن المعلوم أن قدرة أي أمة على الاختراع تجعلها قادرة على تسمية الأشياء بلغتها، بل وجعلها جزءا من هذا الاستعمال، وعلى سبيل المثال فإن اختراع الحاسوب من أصحاب اللغة الإنجليزية جعل برمجته محصورة في هذه اللغة، وأعطاها السبق، والقوة فيه، وأجبر أي شخص في العالم يعمل في الترجمة على تعلمها، وإتقانها بشكل أو بآخر. 
اللغة العربية جزء مهم من هويتنا، والأمة التي لا تدافع وتحمي هويتها أمة خاسرة بلا شك.