هل ستكون المشاركة السياسية الحقيقية الواعية طريقا للتغيير؟

د. ليث عبدالله القهيوي
د. ليث عبدالله القهيوي
تشكل الانتخابات النيابية في الأردن محطة مفصلية في تاريخ الحياة السياسية والديمقراطية، فهي تمثل ساحة لتنافس القوى والأحزاب والمرشحين على الوصول إلى مقاعد البرلمان وموقع صنع القرار، لكن هذه الساحة الديمقراطية تواجه تحديات جمة، أبرزها تفشي ظواهر الفساد وشراء الأصوات بالمال والاستغلال المادي لحاجة الناس في ظل ظروف اقتصادية صعبة، مما يهدد بشكل خطير نزاهة العملية الانتخابية ويشوه إرادة الناخبين الحرة، فالفقر والبطالة وتدني مستويات المعيشة تجعل شريحة واسعة من المواطنين فريسة سهلة لمن يعرض عليهم المال والمساعدات مقابل أصواتهم، دون النظر إلى كفاءة المرشحين وبرامجهم، وهذا يقود في نهاية المطاف لوصول أشخاص لا يمتلكون المؤهلات المطلوبة إلى قبة البرلمان، مما ينعكس سلباً على أدائه التشريعي والرقابي.اضافة اعلان
لذلك، فإن الحاجة ماسة لتكريس مبادئ الكفاءة والفضيلة والنزاهة في الانتخابات، بعيداً عن إغراءات المال السياسي الفاسد، ويتطلب هذا حملة توعية واسعة للناخبين بحقوقهم وواجباتهم، وتبصيرهم بأن استقلالية قرارهم في اختيار الأنسب هو السبيل الوحيد لتحقيق مصالحهم وتطلعاتهم على المدى البعيد، كما يستدعي الأمر تشديد الرقابة والعقوبات على كل أشكال شراء الأصوات والتأثير المادي على إرادة الناخبين، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مزاد علني تباع فيه مقدرات الوطن والمواطنين في وقت يعد من اهم الاوقات في تاريخ الدولة الأردنية لما لحساسية النتائج والمراهنة عليها من اهمية بالغة في البدء في إرجاع القطار الى مساره وسكته الصحيحة فيما يخص ما نعانيه من ازمة ثقة متأزمه وبالغة.
إن المشاركة الواعية والفاعلة للمواطنين في الانتخابات أمر بالغ الأهمية لما لذلك من تأثير كبير على مستقبل الوطن وتوجهاته خلال السنوات القادمة. فالانتخابات هي الفرصة الحقيقية أمام الشعب لاختيار ممثليه الأكفأ، الذين يجسدون قيمه ومصالحه ويمتلكون الرؤى والبرامج القادرة على تحقيق تطلعاته في التنمية والإصلاح، وهنا يبرز الدور المحوري للشباب والمرأة، كشريحتين واسعتين في المجتمع الأردني، في إحداث التغيير المنشود عبر المشاركة الجادة في العملية الانتخابية بعيدا عن ذات الوجوه المستهكلة وممن يسعون لإعادة انتاج انفسهم من خلال ابواب ونوافذ اخرى.
ويعول الأردن كثيراً على طاقات شبابه، الذين يشكلون الغالبية العظمى من السكان، في تجديد الحياة السياسية وتفعيل دور الأحزاب، وقد جاءت التشريعات والقوانين الأخيرة لتعزز إشراك الشباب وتمكينهم من الوصول إلى مواقع صنع القرار، مما سيسهم في بناء أحزاب أقوى مؤسسية وليست احزاب اشخاص وبلورة برامج اقتصادية واجتماعية أكثر فاعلية تلامس هموم الناس وتطلعاتهم، لكن بلوغ هذا الهدف يتطلب عملاً مؤسسياً دؤوباً لا يقتصر على المناسبات، بل يسعى بشكل مستمر لتعزيز الوعي لدى الشباب وإبراز حضورهم في المشهد الوطني، مع ضرورة تظافر جهود المنظمات الشبابية للوصول بهذه الجهود إلى مختلف مناطق المملكة دون استثناء.
وينطبق الحال ذاته على تمكين المرأة سياسياً، الذي لا يمكن اختزاله بمقاعد الكوتا النسائية في البرلمان، بل يجب أن يترجم بحضور قوي وفاعل للمرأة في ميدان المنافسة الانتخابية الحرة، وهو ما يستدعي تعزيز اهتمام المرأة الدائم بالشأن العام والقضايا السياسية، وعدم قصره على فترة الانتخابات فقط، كما يتحتم على المؤسسات النسائية العمل الجاد طوال الوقت لزيادة الوعي بأهمية الدور السياسي للمرأة وضرورة إشراكها الحقيقي في صناعة القرار.
في الخلاصة، فإن تحقيق انتخابات نيابية نزيهة وتمثيلية في الأردن يتوقف بشكل أساسي على مشاركة واعية وحقيقية للمواطنين، ولا سيما فئتي الشباب والمرأة، إلى جانب مواجهة صارمة لكافة مظاهر الفساد وشراء الذمم والاستغلال المادي لحاجة الناس، فذلك هو السبيل الوحيد لإفراز مجلس نيابي قادر بحق على حمل أمانة المسؤولية الوطنية والنهوض بتطلعات المواطنين والدفع بعجلة الإصلاح والبناء في مختلف الميادين، والمطلوب اليوم تضافر كافة الجهود على المستويين الرسمي والشعبي لتجسيد هذا الهدف النبيل على أرض الواقع، وصولاً لبناء وطن ديمقراطي متقدم يسع الجميع ويحقق العدالة والكرامة والرفاه للمواطنين.