هل ستموت القضية الفلسطينية؟

د. محمود أبو فروة الرجبي
د. محمود أبو فروة الرجبي
من أكبر أخطاء الحركة الصهيونية ومن حولها الدول الاستعمارية التي تتحالف معها منذ أكثر من مائة عام، اختيار فلسطين لتكون وطنا قوميا لليهود، بناء على افتراض كاذب مفاده أن هذه الأرض بلا شعب ستكون لشعب بلا أرض، والواهمون الذين يتحدثون عن قدرات هذه الحركة التخطيطية، والتي يصل مدى تخطيطها إلى مئات السنين واهمون، لأننا وبعد ست وسبعين سنة من إقامة دولة الاحتلال، وتشريد الشعب الفلسطيني، والتنكيل به، وابتكار كل أساليب القمع، والقتل، والتهجير، فما تزال القضية الفلسطينية حية، والأجيال التي تم الرهان على أنها ستنسى أصبحت أكثر وعيا بقضيتها، وكل جيل يسلم الآخر القضية ليبتكر طرقا جديدة في المقاومة، ومحاربة المحتل. اضافة اعلان
لن تنتهي القضية الفلسطينية، ولن تموت، ولا يمكن أن تعيش دولة الاحتلال في أمان وسلام، لأنها قامت على السرقة، وسلب الحقوق، والإرهاب، والعالم المخدوع بالدولة الصغيرة، واحة الديمقراطية، والحضارية، بات أكثر قدرة على اكتشاف هذه الكذبة الكبيرة، فما حصل سابقا، وهو مرعب، وما يحصل الآن في غزة من تجويع، وإبادة جماعية تحت سمع، ومرأى العالم كله، يثبت أن دولة الاحتلال، ومن ورائها الدول الداعمة لها، هي أكبر كذبة في التاريخ، وأن الديمقراطية القائمة على حرية الإنسان، وهم عاش فيه الناس على اعتبار المساواة التامة، واحترام حقوق الإنسان، لنكتشف كما قلنا في مقالات سابقة أن مفهوم هذه الحرية مقتصر على الرجل الأبيض، ومن يتحالف مع الغرب، وعلى عكس ذلك، يتم تجريدك من إنسانيتك، وتصبح بلا حقوق. 
الشعب الفلسطيني ليس يتيما، فهو جزء من أمة كبيرة يزيد عددها عن أربعمائة مليون إنسان، وينتمي لعائلة أوسع فيها أكثر من ملياري شخص هي الأمة الإسلامية، إضافة إلى أن الإنسانيين الحقيقيين في العالم الذين أصبحوا أكثر وعيًا بهذه القضية، واكتشفوا ما بين ليلة وضحاها أن الضحية المفترضة –إسرائيل- هي الجلاد الحقيقي، وأن الشعب الفلسطيني تعرض لأكبر عملية ظلم في التاريخ.
وعودة على هذا الشعب، فالأمة العربية والإسلامية، ومن ورائهم الإنسانيون الحقيقيون في العالم لن يتركوا فلسطين، وإذا كانت الـمعطيات الآن – ولأن دول الغرب الكبرى – تقف وراء الجلاد الأكبر في التاريخ إسرائيل، فإن هذه الـمعطيات لن تكون ثابتة، وتتغير باستمرار، وما حصل في غزة أخيرا سيسارع في تغييرها، لنعيش في عالم أكثر عدلا. 
ونحن في الأردن لن ننسى القضية الفلسطينية، فهي قضيتنا المركزية الأولى، وهذا أمر متفق عليه من النظام، والحكومة، والشعب، ولا يمكن لنا أن نفرط فيها، وهذا يأتي من منطلق وحدة الدم من جانب، ومن منطلقات لها علاقة بخطورة ما يحصل هناك غرب النهر، ولأن دولة الاحتلال بغطرستها، وعنجهيتها، وأعمالها غير الإنسانية، لا تعرض أمن الـمنطقة للخطر فقط، بل والعالم كله. 
هناك عدة عوامل إضافة إلى ما سبق تجعل موت القضية الفلسطينية مستحيلاً، وسيجعلها قائمة حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة؛ الأول هو العامل الديني القوي عند الفلسطينيين. فالدين يعد عنصرا حاسما في تماسك الشعب الفلسطيني وصموده أمام الاحتلال، ويجد الفلسطينيون القوة والتحفيز في قيمهم الدينية، وهذا ما يمكنهم من مقاومة التنكيل، والقتل والتشريد والإرهاب الذي يتعرضون له، وإذا كان الإسلام هو الـمحرك الأقوى للمقاومة في فلسطين، فإن التعاضد الإسلامي المسيحي في فلسطين، وتوحد أصحاب الديانتين يشكل مصدر قوة للشعب الفلسطيني، وعامل صمود مهم. 
العامل الثاني هو روح المقاومة العالية عند الفلسطينيين. يتمتع الشعب الفلسطيني بقدرة فريدة على التحمل والصبر والشجاعة، فرغم المذابح الرهيبة التي ارتكبت بحقهم، فإنهم يظلون مستمرين في مقاومة الظلم والاحتلال، فقد أثبتت الوقائع أنهم شعب لا يعرف معنى الاستسلام، ويستمرون في النضال من أجل حقوقهم وحريتهم، وهذه الصفة موجودة بقوة لدى العائلة التي ينتمي لها الشعب الفلسطيني – العرب والمسلمون -. 
العامل الثالث هو تضامن الشعوب العربية والعالمية والإسلامية مع الشعب الفلسطيني. لاحظنا زيادة التضامن مع القضية الفلسطينية خاصة بعد العدوان الأخير على قطاع غزة، ولم يقصر هذا الأمر على الشعوب العربية والإسلامية، بل تعداه إلى الشعوب الغربية التي عادة ما تشجع دولها الاستعمارية دولة الاحتلال وتدعمه بشكل أعمى، ويظهر جليا أن الوقت عامل مهم للفلسطينيين، فكل يوم يزداد هذا التضامن، ويعرف عدد أكبر من الناس في الغرب حقيقية كيان الاحتلال البربري. 
العامل الرابع هو غطرسة الاحتلال وجرائمه المستمرة، تلك الجرائم تثير حالة من الغضب والاستياء في نفوس الناس، وتحفزهم على مواصلة المقاومة. إن استمرار القمع والاضطهاد يدعم الشعب الفلسطيني ويحفزه على النضال من أجل الحرية والعدالة، وكل ما تقوم به إسرائيل الآن من قتل وتشريد، وحصار، ينعكس على الأطفال مستقبلًا، فهم سيشكلون حالة لا تلين في مقاومة هذا المحتل، وتصرفات الكيان الصهيوني تدل على قصر نظر، وعدم معرفة بصيرورات التاريخ التي تقول لنا إن الـمعطيات على الأرض لا تستمر، وأن أي قوة مستعمرة مهزومة مهما طال الزمان، فكيف الأمر بدولة قامت واستمرت في ظروف شاذة. 
العامل الخامس في عدم موت القضية الفلسطينية هو انتشار منصات التواصل الاجتماعي ودورها في نقل جرائم الاحتلال للعالم. يمكن للمحتوى الرقمي، والشهادات المنقولة من خلال الإنترنت، والتي يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن تكشف الحقيقة وتنشرها في جميع أنحاء العالم. هذا يؤدي إلى زيادة الوعي بالظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، ويعزز التأييد لقضيتهم، وهذه فرصة عظيمة – رغم انحياز غالبية الـمنصات لدولة الاحتلال – من أجل كشف الحقيقة للعالم، ونقل الصورة الحقيقية بعيدا عن وسائل الإعلام الغربية التقليدية التي تخضع بالكامل لسيطرة دولة الاحتلال ومناصريها. 
في الختام، تظل القضية الفلسطينية حية في قلوب الناس، والعوامل المذكورة أعلاه، بما في ذلك العامل الديني القوي، وروح المقاومة، وتضامن الشعوب، وغطرسة الاحتلال، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تعزز جميعها القضية الفلسطينية وتساهم في إبقائها حية وحاضرة في وعي الناس.
لذا، من الضروري أن نعمل جميعا على دعم الشعب الفلسطيني في نضالهم من أجل الحرية والعدالة. يجب أن نستمر في نشر الوعي والتضامن والمطالبة بحقوقهم المشروعة. إن إزالة الظلم عن الشعب الفلسطيني وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة لا يعود بالنفع على الشعب الفلسطيني، وعلى الأردن – بصفتها الداعم الأول له- فقط، بل في مصلحة العالم أجمع، إذ أن إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة سيؤدي إلى تحقيق العدالة والاستقرار في العالم كله. 
هناك حل واحد لا ثاني له للقضية الفلسطينية، وهو حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة غير منقوصة، وبغير ذلك، وللأسف سنبقى نعيش في دوامة من العدوان، والقتل، والتشريد، والحصار، والإبادة الجماعية، وعدم الاستقرار.