الحرب على الإسلام بين الثابت والمتجدد!

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

"ما تزال أوروبا منذ قرون تقابل الدولة العثمانية من أمامها، وعن يمينها وعن شمالها، وتناجزها الحروب، صليبية وسياسية وتجارية، وتهاجمها منفردة ومجتمعة. فكان للدولة في البداية الكرة على أوروبا، وكان الأعداء يكافحونها كفاح الضعفاء، فكانوا يلجأون إلى إثارة الفتن في داخل بلاد عدوهم ليشغلوه عنهم، فكانوا يدسّون الدسائس تارة في البلقان، وطوراً في سورية، وأحياناً في بلاد العرب، ويمدون يد المصافحة إلى العجم.
"وكانت الحروب داخلاً وخارجاً تتوالى إلى أن أفقرت دمها وأنهكت قوتها واستغرقت أموالها في الإعدادات الحربية، وحالت دون ترقيها في العلوم والصناعات، وأخذ السيفُ حصةَ القلم، فغلب على الأهالي الجهل وخبا نور العلم، فضعفت التربية العامة فنزلت الهمم وعم فساد الأخلاق.
"وصار الضعف يجلب بعضه بعضا، وكلما آنست أوربا فينا ضعفا من جانب، حملت علينا حملة شعواء من خلال الضعف، واتخذت قاعدة سارت عليها ولاسيما أمة السلاف (شعوب روسيا) وهي عدم إمهالنا أن نلم شعثنا ونرأب صدعنا أبداً، لئلا نرتاش ونقوى وتصعب إزالتنا من الوجود، فيقال إن بطرس الأكبر عاهل الروسية، أوصى بحربنا كل مدة 20 سنة".
هكذا شخّص ( باختصار يسير، ص25) العلاقةَ بين أمة الإسلام وخصومها أميرُ البيان الأمير شكيب أرسلان في كتابه "إلى العرب: بيان للأمة العربية عن حزب اللامركزية"، والذي صدرت طبعته الأولى العام 1913، أي قبل ما يزيد على 100 عام!
وقد يجهل كثير من الناشئة شخصية الأمير شكيب أرسلان ودوره المركزي في قيادة العرب والمسلمين في النصف الأول من القرن العشرين. إذ كان أرسلان من أبرز المفكرين والمصلحين العرب والمسلمين في زمانه، وكان له دور بارز في الدفاع عن أمة الإسلام بالفكر والقلم في مقالاته وكتبه، وبالسيف والرصاص بمشاركته في الجهاد ضد المستعمرين وقيادته فريق المتطوعين في لبنان، ومساندته للمجاهدين في المغرب والجزائر. وكان من أوائل من نبهوا إلى خطر سياسة الاحتلال في فلسطين ودعم اليهود. وبعد ذلك خاض المعركة السياسية في عصبة الأمم مندوباً عن عدد من الدول العربية لمدة ربع قرن.
وفي نص الأمير شكيب أرسلان عدة حقائق ما تزال قائمة في موضوع الحرب على أمة الإسلام، هي:
1- الحرب والعدوان على أمة الإسلام من كل الجهات. وما تزال الحروب والعدوان تشن على المسلمين في كثير من بقاع العالم.
2- شنت هذه الحرب وما تزال تحت ذرائع ومبررات متعددة، منها المبرر الديني كما يفعل اليهود في فلسطين، أو بمبرر سياسي كما تفعل روسيا اليوم في نصرة بشار الأسد، أو بمبرر تجاري  كما حصل في احتلال فرنسا للجزائر أو مبدأ كارتر بالتدخل لحماية منابع وطرق البترول. 
3- وما تزال هذه الحروب تشن على أمة الإسلام بشكل فردي وجماعي من دول العالم.
4- وإثارة الفتن والدسائس نهج متواصل عبر الزمن من قبل الأعداء تجاه أمة الإسلام؛ فتن ودسائس سياسية وقومية وطائفية وغيرها.
5- تحالف أوروبا والروس مع العجم ضد العرب والمسلمين نهج متكرر كلما اقتضت مصالحهم، فمن حلف البرتغال مع الصفويين ضد العثمانيين، إلى تعاون الروس وإيران ضد الثورة السورية، إلى تفاهم الغرب وإيران على حساب مصالح دول الخليج العربي.
6- استنزاف القوة المالية للمسلمين في الحروب. وهو نهج متواصل تؤكده أرقام التسليح المتصاعدة للدول العربية والإسلامية، بسبب الحروب التي تشن على أمتنا وتجرّ إليها جراً.
7- انتشار الجهل والفقر بسبب الحروب. وبعدما كادت الأمية تنحسر في بعض الدول العربية، أصبح لدينا ملايين الأطفال من دون مدارس منذ عدة سنوات في سورية والعراق وليبيا واليمن بسبب الحروب الطائفية، وملايين اللاجئين المشردين، وهذا سيزيد الفقر والجهل وقلة الأخلاق.
8- هناك توصية من زعيم روسيا، بطرس الأكبر، بشن حرب كل 20 سنة على المسلمين، وفعلاً لا تتأخر الحروب عن بلاد المسلمين كل عدة سنوات.
هذه هي طبيعة الحرب الظالمة التي تشن على المسلمين منذ قرون وعقود طويلة. وقد تم استحداث تجديدات عليها مع تطور الإمكانات وثورة المواصلات والاتصالات وسرعة التواصل. ومن هذه التجديدات:
1- تناقص المدة بين الحروب على أمة الإسلام عن 20 سنة التي نصح بها بطرس. فمثلا، الحرب مع إسرائيل الأعوام 1948، 1956، 1967، 1973؛ غزو الروس لأفغانستان العام 1979؛ الحرب الإيرانية العراقية العام 1980؛ اجتياح بيروت العام 1982؛ الحرب الأهلية الثانية بالسودان العام 1983؛ احتلال العراق للكويت العام 1990؛ حرب البوسنة العام 1992؛ احتلال أميركا للعراق العام 2003؛ حروب الحوثيين في اليمن 2004 و2005 و2006 و2007 و2008 و2009 و2010، و2015؛ الحرب على غزة 2008 و2012 و2014؛ الحرب على الثورة السورية العام 2011.
2- استخدام وتوظيف أبناء المسلمين أنفسهم في حرب الإسلام فكريا، بعد أن كانوا يوظفون في التجسس وتقديم خدمات مادية للأعداء فقط. وقد تم هذا من خلال تبني بعض أبناء المسلمين لأفكار وأيديولوجيات أعداء الإسلام، وهم غالباً ممن تأثر بالمحتلين والمستعمرين عبر الدراسة في مدارسهم والعمل معهم في ديار الإسلام، أو ممن سافر لبلاد الأعداء للدراسة الجامعية وذاب في الرؤية الغربية المتحللة أو الشيوعية الملحدة.
ومنذ 30 سنة وهؤلاء يدعون لتقويض الإسلام من داخله عبر تحريف فهم القرآن الكريم ورفض السنة النبوية والاعتراض على كثير من أحكام الشريعة الإسلامية ومحاولة ترويج منهج التأويل الحداثي في فهم الوحي الإلهي، وذلك بعد فشل هذا التيار في التمدد بين الجمهور، وتصاعد مد الصحوة الإسلامية.
وعقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في أميركا، تبنى بعض المراكز الغربية تلك المحاولة الشيوعية الفاشلة، وأخذت تطالب بتطوير الإسلام وتطويعه ليتلاءم ويتواءم مع الفكر العلماني الحداثي. وأبرز تلك المطالبات جاءت في تقرير مؤسسة "راند" الأميركية "نحو خطاب إسلامي حضاري مدني"، والذي أوصى بدعم "المجددين/ الحداثيين" الإسلاميين.
3- استحداث آليات جديدة في الحرب الناعمة على الإسلام وعدم الاقتصار على الحرب الخشنة التي تشنها الجيوش. وتركز هذه الحرب الناعمة على حرب الأفكار والمفاهيم. فمثلاً، يتم ضخ سيل من المقالات في الصحف ووسائط التواصل الاجتماعي تهاجم الإسلام والقرآن الكريم والسنة النبوية وأحكام الشريعة الإسلامية. وتنتج مسلسلات وبرامج حوارية تشكك في المفاهيم والأصول الإسلامية والرموز والشخصيات الاعتبارية عبر الدراما والفن والحوار. وتقدم في الإعلام شخصيات "مضروبة" لتتحدث باسم الإسلام لتشويه صورته أو تحريف أحكامه. وهذه الشخصيات على نوعين: إما شخصيات جاهلة وتحمل تصورا منحرفا في فهم الإسلام وتميل للعنف والتطرف، فتقدم نموذجا سلبيا عن الإسلام وأهله. وإما شخصيات مزورة لا تحمل همّ الإسلام، بل هي من تيارات معادية للدين، فتقدم بوصفها عنوان فهم الإسلام السمح الوسطي! لتقوم بإضلال المشاهدين وتحريف أحكام الإسلام.
4- رعاية التطرف والغلو وتوظيفه في ضرب الأمة الإسلامية من داخلها وخارجها؛ إذ دمر تنظيما "القاعدة" و"داعش"، مثلاً، البنية التحتية لمدن السُنّة التي سيطرا عليها، ووصما السُنّة بالإرهاب، وشوها صورة النموذج الإسلامي. ومن جهة أخرى، يبرران العدوان على الأمة المسلمة من كل الجهات؛ فالعدوان الطائفي الذي تشنه إيران ومليشياتها الدولية يتم باسم محاربة التطرف! والعدوان الروسي الوحشي على الأطفال والمدنيين وكل مقومات الحياة يتم باسم الحرب على الإرهاب!
ختاماً؛ فكما أن أمة الإسلام برغم كل هذه الحرب بقيت قائمة -ولو على ضعف- فإنها في هذه الحروب الدائرة ستبقى قائمة، بل إن هذه الحروب اليوم ستكون عامل قوة لها. وسنشهد بإذن الله تصاعداً في قوتها وهزيمة لأعدائها. والشرف اليوم أن يكون الواحد منا ممن يساهم في نصرة أمته بالعلم السديد والوعي الرشيد والعمل المتقن والتعاون المثمر والصبر الطويل، والله الموفق.

التعليق