إنجلترا الصغرى وبريطانيا التي لم تعد عظمى

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

إيان بورما*

أمستردام- باعتباري شخصاً أنجلو-هولندي (من أم بريطانية وأب هولندي)، فإنني لا أملك إلا أن أرى الخروج البريطاني من منظور شخصي. لست من المتحمسين المخلصين لأوروبا، ولكن الاتحاد الأوروبي في غياب بريطانيا يجعله أشبه بمن فقد أحد أطرافه في حادث مروع.
ولكن ليس كل زملائي المواطنين غير راضين عن خروج بريطانيا. فقد نشر زعيم الغوغاء المناهض لأوروبا والمسلمين خيرت فيلدرز تغريدة قال فيها: "مرحى للبريطانيين! الآن حان دورنا". والواقع أن هذا النوع من المشاعر أكثر إثارة للقلق والانزعاج وأشد شؤما من العواقب التي قد يخلفها الخروج البريطاني على مستقبل الاقتصاد البريطاني. فالرغبة الملحة في التدمير قد تكون مُعدية.
لقد تغيرت صورة المملكة المتحدة بين عشية وضحاها حرفيا. لأكثر من 200 عام، كانت بريطانيا تعرض مثالا فريدا للحرية والتسامح (في نظر كثيرين من الأوروبيين على الأقل؛ وربما تكون وجهة نظر الهنود مختلفة قليلا). الواقع أن محبي إنجلترا أعجبوا ببريطانيا لأسباب عديدة، بما في ذلك انفتاحها النسبي على اللاجئين الفارين من الأنظمة القارية غير الليبرالية. كانت بريطانيا مكانا حيث تمكن رجل يرجع أصله إلى اليهود السفارديم، وهو بنيامين دزرائيلي، من شغل منصب رئيس الوزراء. وقد وقفت بريطانيا في وجه هتلر وحدها تقريباً في العام 1940.
هرب إلى بريطانيا في العام 1940، الكاتب المجري المولد آرثر كوستلر، وهو الشيوعي السابق الذي عرف كل شيء عن كوارث السياسة الأوروبية، وكاد يُعدَم على يد الفاشيين الأسبان. وقد أطلق على بلده بالتبني وصف "دافوس التي يلجأ إليها المجروحون داخليا من قدامى المحاربين من العصر الشمولي".
نشأ أفراد جيلي، الذين ولِدوا بعد الحرب بفترة ليست طويلة، على أساطير مبنية على الحقيقة جرى الترويج لها في الكتب المصورة وأفلام هوليوود: أسطورة الطائرات الحربية البريطانية والألمانية وهي تتقاتل فوق ضواحي لندن، أسطورة تحدي ونستون تشرشل الهادر، وأسطورة عازفي مزمار القِربة الاسكتلنديين وهم يسيرون على شواطئ نورماندي.
كما تعززت صورة بريطانيا كدولة داعمة للحرية بفضل ثقافة الشباب في ستينيات القرن العشرين. فقد حل محل طياري المقاتلات رموز للحرية لا تقل قوة تجسدت في فِرَق موسيقية مثل البيتلز ورولنج ستونز وكينكس، التي اجتاحت موسيقاها أوروبا والولايات المتحدة وكأنها نسمة من الهواء العليل. ولأن أمي بريطانية فقد مُلِئت نفسي بشعور ساذج وغير مستحق بالفخر. ففي نظري، بقي شيء ما حول بريطانيا هو الأفضل دوما، رغم الانحدار الصناعي، وتقلص النفوذ العالمي، وكرة القدم المتزايدة السَخَف.
بطبيعة الحال، هناك أسباب كثيرة وراء تصويت 52 % من الذين أدلوا بأصواتهم لصالح حملة "الخروج". وهناك أسباب وجيهة دفعت ضحايا الانحدار الصناعي إلى الشعور بالظلم. ولم يكترث لا اليسار ولا اليمين بمصالح الطبقة العاملة القديمة في مدن التعدين المهدمة، والموانئ الصدئة، ومدن المداخن المتدهورة. وعندما اشتكى أولئك الذين تخلفوا عن الركب بفِعل العولمة وانفجار لندن الكبير من أن المهاجرين يزيدون من صعوبة العثور على فرصة عمل، سرعان ما وصِموا بالعنصرية.
ولكن هذا من غير الممكن أن يبرر النزعة القومية الإنجليزية القبيحة، التي يؤججها نايجل فاراج زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة والتي استغلها باستهزاء أنصار خروج بريطانيا في حزب المحافظين، بقيادة عمدة لندن السابق بوريس جونسون ومايكل جوف وزير العدل في حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون. وقد ازدهرت كراهية الأجانب بين الإنجليز بشكل خاص في مناطق حيث لا يُرى الأجانب إلا نادرا. أما لندن، حيث يعيش أغلب الأجانب، فقد صوتت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي بهامش كبير. وصوتت كورنوال الريفية، التي تستفيد بشكل كبير من إعانات الدعم القادمة من الاتحاد الأوروبي، لصالح الخروج.
تكمن المفارقة الأكثر إثارة للاشمئزاز في نظر أوروبي من عمري وميولي في طريقة التعبير عن القومية الضيقة الأفق المحبطة غالبا. فالتعصب الأعمى ضد المهاجرين يلتحف برموز الحرية نفسها التي نشأنا على الإعجاب بها، بما في ذلك مقاطع الأفلام للطائرات المقاتلة البريطانية والإشارة إلى أرقى لحظات تشرشل.
الواقع أن أنصار الخروج البريطاني الأكثر غِلظة وشذوذا -من حليقي الرؤوس الذين يغطون أجسادهم بوشم العالم الوطني- يشبهون مثيري الشغب في ملاعب كرة القدم الإنجليزية الذين يغزون الملاعب الأوروبية حاملين معهم علامتهم الخاصة المتمثلة في العنف. ولكن السيدات والسادة المهذبين الأنيقين في قمصانهم البيضاء التي ترمز لإنجلترا الصغيرة، ويهتفون بأكاذيب فاراج وجونسون بذلك القدر من النشوة التي كانت ذات يوم محجوزة لنجوم الروك البريطانيين في الخارج، لا يقلون إثارة للقلق والانزعاج.
سوف يزعم كثيرون من أنصار الخروج البريطاني أنه لا يوجد أي تناقض. لم تكن رموز زمن الحرب في غير محلها على الإطلاق. ففي نظرهم، لا تقل حجج الانسحاب من الاتحاد الأوروبي عن الحرب العالمية الثانية ارتباطا بالحرية. فهم يعتبرون "بروكسل" دكتاتورية في نهاية المطاف، ويرون أن البريطانيين -أو الإنجليز- يدافعون عن الديمقراطية. ويُقال لنا إن الملايين من الأوروبيين يتفقون معهم.
صحيح حقا أن العديد من الأوروبيين يتبنون وجهة النظر هذه، ولكن أغلبهم من أتباع مارين لوبان، وخيرت فيلدرز، وغيرهما من الشعبويين من مثيري القلاقل، الذين يروجون للاستفتاءات لتقويض الحكومات المنتخبة واستغلال المخاوف وأسباب السخط الشعبية لتمهيد مساراتهم الخاصة إلى السلطة.
إن الاتحاد الأوروبي ليس نظاما ديمقراطيا، ولا يدعي أو يتظاهر بأنه كذلك. ولكن القرارات الأوروبية ما تزال تتخذ من قِبَل حكومات وطنية ذات سيادة -والأمر الأكثر أهمية أنها حكومات منتخبة- بعد مداولات لا نهاية لها. وهي عملية غامضة غالبا ولا تكفل تحقيق الكثير من المرغوب. ولكن حريات الأوروبيين لن يخدمها بشكل أفضل نسف المؤسسات التي شيدت بكل عناية على أنقاض الحرب الأوروبية المأساوية الأخيرة.
إذا أشعل الخروج البريطاني شرارة ثورة على نطاق أوروبا ضد النخب الليبرالية، فسوف تكون المرة الأولى في التاريخ التي تقود فيها بريطانيا موجة من التوجهات المعادية لليبرالية في أوروبا. وهي مأساة عظمى -بالنسبة لبريطانيا وأوروبا، وبالنسبة للعالم حيث بدأت أغلب القوى الكبرى تتجه بالفعل وعلى نحو متزايد نحو انتهاج سياسات غير ليبرالية.تكمن المفارقة الأخيرة في أن الأمل الأخير لتحويل هذا المد وصيانة الحريات التي أريقت من أجلها أنهار من الدماء أصبح بيد ألمانيا، الدولة التي نشأ أبناء جيلي على كرهها كرمز للطغيان الدموي. ولكن حتى الآن على الأقل، يبدو أن الألمان تعلموا من دروس التاريخ بشكل أفضل من عدد هائل من البريطانيين.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت فان ثيو جوغ وحدود التسامح"، و"السنة صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق