جهاد المنسي

أتذكرون عندما كنا نتقبل بعضنا بعضا؟!

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2016. 11:05 مـساءً

شخصيا، أحن لأيام زمان، عندما كان طعم العنب أزكى، وشكله أشهى، عندما كان لون البطيخ أكثر احمرارا، وأهل الحارة أكثر قربا من بعضهم بعضا، وعروسة الخشب هي اللعبة المفضلة لأخواتي البنات، و"طابة الجرابات" هي المفضلة لنا ولأبناء الجيران.
صدقا، أحن لأيام زمان، عندما كانت شجرة التين في الحارة توزع خيرها على كل السكان، وشجرة التوت في بيت جيراننا نأكل منها نحن وكل من يشتهي، ومن يمر صدفة.
زمان، "مش زمان كثير"، كان الناس يستمعون لبعضهم بعضا، يلتقون فيتسامرون ويتحدثون، وتتقابل عيونهم بأعين بعضهم، لا يعرفون "الواتساب"، ولا "الفيسبوك"، ولا يفكرون انه سيأتي عليهم يوم لا يرفعون رؤوسهم عن هواتفهم المحمولة الذكية إلا إذا قطعت الكهرباء.
زمان، "مش زمان كثير"، كانت المقاومة أيا كان مصدرها تجد تأييد كل فئات الشعب، وكانت الثورة الكوبية تجد مؤيدين لها عندنا، وصورهم تملأ البيوت، وكان للمقاتلين اليابانيين مؤازرون كثر من دون أن يتم السؤال عن الدين والمذهب والعقيدة.
زمان، لم يكن الناس يتوقفون عند أنّ في العراق سنة وشيعة وأكرادا، وإنما كان يهمهم أن العراقيين أهلهم من دون معرفة مذهبهم أو عرقهم، أو طائفتهم، ولم يكن الناس ينظرون للسوري باعتباره غريبا، وإنما شقيق، وأخ، باعتبارنا سكان بلاد واحدة تجمعنا الجغرافيا ذاتها، وتظللنا بلاد الشام، فنحن شوام بجغرافيتنا وهوانا.
زمان، و"مش زمان كثير"، كانت القضية الفلسطينية، كتابا يدرّس في مدارسنا، وكنا نردد سويا "بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدانِ، ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوانِ"، وكان الكلام عن وحدة العرب يسمو فوق كل كلام، وكانت مصر في عنفوانها، وسورية قوية، والعراق شامخ.
وقتذاك، كان الشهيد الفلسطيني الذي يسقط تخرج مظاهرات منددة بالكيان الصهيوني من المغرب وحتى اليمن فالبحرين، فيما بات منظر الدم اليوم عاديا لا يؤثر فينا ولا نتأثر به، نراه نشهده نقلب المحطة للاستماع لأغنية ومشاهدة فيلم.
زمان لم تكن المقاومة إرهابا، ولم يكن يستطيع أحد الإعلان عن الذهاب للكيان الصهيوني، فيما بات اليوم الموضوع عاديا يتم بحثه والخوض فيه، والإعلان عنه، والدفاع عن فاعله أحيانا.
زمان كنا نعرف أن الناس إخوة، وأن الدين تكملة لمكارم الأخلاق، ولا يجوز لنا أن نكفّر أحدا، أو نعتدي على أحد، لا بالقول ولا بالفعل، فيما بتنا نسمع اليوم من يتحدث عن جواز تهنئة المسيحي أو تعزيته، كما بتنا نسمع بأن الإمام الفلاني رفض الصلاة على متوفى ما لأنه يتبع لمذهب آخر!
زمان، لم تكن توجد قنوات إعلامية تبث فتنا طائفية وتحريضا على القتل، وتطلق على الشهداء قتلى، وأخرى تستضيف إرهابيين ملطخة أياديهم بالدم، وتعتبرهم مجاهدين أو قادة ميدانيين.
زمان كنا أكثر تسامحا، أكثر نقاء، أكثر وسطية، أكثر إنسانية، أكثر حبا، أكثر وداعة، كنا نطرب على صوت فيروز وأم كلثوم وعبدالحليم وكانت أشعار نزار قباني تبث فينا طاقة إيجابية، وقصائد محمود درويش نسمعها عبر أشرطة الكاسيت، أما اليوم فقد كثر عندنا من يكفّر نزار قباني ويكفرنا لو استمعنا إليه، ومن يرى في محمود درويش مارقا، علمانيا مرتدا، ويرى في فيروز وعبدالحليم وأم كلثوم إخوة للشياطين!
زمان كان لدينا متسع للحب، نحب بعضنا بعضا، نسمع لبعضنا نتناقش نتحاور، أما اليوم فقد بتنا أكثر غضبا، أكثر نرفزة، أكثر ضيقا، لا نسمع وجهة النظر الأخرى ونرفضها، نهاجم صاحبها، وربما نقطع علاقتنا معه، لأنه اختلف معنا في الرؤية والتشخيص.

التعليق