د.أحمد جميل عزم

تاكسيات ودول موازية

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2016. 11:02 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 4 آب / أغسطس 2016. 12:13 مـساءً

سُلط الضوء في سياق الانقلاب الأخير في تركيا على مصطلح "الدولة الموازية" الذي استخدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في اشارة لتنظيم ديني/ اجتماعي محدد. والواقع أنّ هذه الحالة ليست حكراً على تركيا، وكذلك لا تتعلق بالتنظيمات أو الشبكات السياسية/ الاجتماعية فقط، إذ يمكن للقطاع الخاص أيضا أن يشكل دولة موازية "خطرة"، وتساعد العولمة على ذلك.
يعرف كثيرٌ من الناس الآن كيف يستخدمون "شبكات" نقل من سيارات تاكسي، وغيرها عبر تطبيقات الهاتف النقّال. وعندما علم سائق السيارة الشاب في عمّان (تامر)، أثناء نقله لي قبل أيّام، أني قد أستخدم خدمة شركتهم/ شبكتهم العالمية لنقلي للمطار ليلا، قال: أفضل أن تدفع للسائق قبل الوصول للمطار. وأضاف: "نحن غير شرعيين بعد"، (استخدم الكلمة بالانجليزية: "Illegal")، ويقصد أنهم غير مسجلين رسميا، رغم تأكيده أن لا أحد يصبح جزءا من الشبكة إلا إذا قدم شهادة حسن سلوك، وكان حسن المظهر، وهناك شروط أخرى. ثم استدرك قائلا: أنت تدفع ببطاقة الائتمان (تخصم أتوماتيكيا من الشركة الأم عبر الإنترنت وليس للسائق)، لذلك إنسَ ما قلته لك عن الدفع في المطار.
هذه شبكة مواصلات موازية للشبكة الرسمية، لكنها لا تقل تنظيماً ووضوحاً في العمل. وهي تعبير عن حالة نشوء كيانات وشبكات تستخدم التكنولوجيا الحديثة العابرة للحدود، وداخل المجتمع، وتكاد لا تُلاحَظ؛ فمن يعرف وأنا في سيارة تامر، الذي ظهر اسمه وصورته على هاتفي، أني أستأجر سيارة، ولست مع صديق؟ والواقع أن عمي الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ العام 1970 ويملك سيارة تاكسي هناك، يعاني، ويكاد يتقاعد، بسبب منافسة الشركة ذاتها له، ونصحني تامر أن أنصحه بأن يسجل مع الشبكة الجديدة لينقذ نفسه.
عودة للشبكات السياسية/ الاجتماعية، كشبكة فتح الله غولن، المسماة "الخدمة"، في تركيا؛ فهي تنشأ من تولي جماعة ذات بعد أيديولوجي (غالبا، وليس دائما، ديني) تأسيس وإدارة وتمويل مؤسسات هي عادة من مهام الدولة، كالمدارس والمستشفيات والعيادات، وإقامة حفلات الزفاف الجماعي والأندية الرياضية وغير هذا. والواقع أنّ بعض الدول تتقبل قيام هذه الشبكات، أو تضطر لقبول وجودها، لأن هذه الدول تعجز عن توفير هذه الخدمات. على سبيل المثال، يقال إنّ الحكومة المصرية تركت للكنيسة، والإخوان المسلمين (في الماضي)، كثيرا من المهام من هذا النوع لعجزها عنها. وأحياناً، يكون هناك تحالف بين الحكم وهذه الجماعات، كما حصل في حالة حزب العدالة والتنمية و"الخدمة"، قبل تحول الأمر إلى عداء.
هناك نوع آخر من الشبكات التي تصبح نوعا من الدول الموازية، التي توجد لنفسها مؤسسات وموارد، وتصبح مؤثرة في المجتمع والحكم. وهذه قد تأخذ شكل شركات ورجال أعمال كبار، يسيطرون على جزء لا يستهان به من الاقتصاد، وبالتالي في عملية صناعة القرار في الدولة، ويصبح كثير من موظفي الدولة والأجهزة الأمنية أقرب للموظفين، أو الشركاء الخفيين، لدى أو مع هذه الشركات ورجال الأعمال. ويحدث هذا في إطار الليبرالية الجديدة، المنحرفة عن ليبرالية آدم سميث الكلاسيكية، التي لا تسلم لرجال الأعمال بحرية مطلقة، ولا تجعل الدولة خادما عندهم، كما في الليبرالية الجديدة التي تريد التخلص من القطاع العام في كل شيء، لدرجة خصخصة الجيوش والشرطة.
في إطار التاكسيات وقطاع الخدمات والأعمال الصغيرة والفردية، من نوع الترجمة والصحافة.. إلخ، فإنّ الأمر يكون كنوع من تحرر أو عثور الفرد على حلول لمشكلاته، فلا يكون الأمر ذا بعد سياسي يحاول السيطرة على المجتمع، وهو أحياناً انعتاق من الدولة وفشلها في توفير فرص عمل، وتحرر من قيودها. وقد يساعد هذا لاحقاً على تحدي الأفراد للحكومات أو عدم الاكتراث بها، ولكنه لا يصل بطريقة مباشرة للصدام الفعلي معها. أما في حالة الشبكات الاجتماعية المسيسة، ورجال الأعمال، فالصدام يكاد يكون حتمياً؛ فهذه الشبكات ستسعى للسيطرة الرسمية والعلنية على الحكم، وإنهاء التوازي، كما في حال المزاعم في تركيا بشأن "الخدمة"/ أردوغان، وحالة رجل الأعمال أحمد عز/ الجيش في مصر.

التعليق