حنان كامل الشيخ

“غزو البلهاء”!

تم نشره في الاثنين 8 آب / أغسطس 2016. 11:00 مـساءً

أرسلت لي شقيقتي دانة رسالة، هي عبارة عن اقتباس للفيلسوف والروائي الإيطالي “أمبرتو ايكو”، الذي غادرنا إلى حياة أخرى هذا العام. والاقتباس جاء في سياق تعليقاته المستمرة حول ظاهرة “حكماء مواقع التواصل الاجتماعي”. فبالرغم من أنه قد توفي عن عمر يناهز الرابعة والثمانين عاما، إنما لسوء حظه، وحسن حظنا بالطبع، عاصر ثورة تكنولوجيا المعلومات، وعاشها في آخر سنوات عمره مراقبا وناقدا ومندهشا!
“أدوات مثل تويتر وفيس بوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع. وكان يتم إسكاتهم فورا. أما الآن، فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه، غزو البلهاء” انتهى الاقتباس!
لست واحدة من أولئك الحكماء الذين يسمح لهم، بانتقاد ظاهرة ما واستخدام المفردات بحرية مطلقة، لأنهم ببساطة يحق لغيرهم، بعد كد البحث والدراسة والقراءة والتأمل، أن يصفوا الأشياء بمسمياتها العلمية الصحيحة، دون أن يجادلهم أحد. ولكن، ما قاله “إيكو” في آخر أيام عمره، بخصوص الحكماء الجدد، مريح لأبعد مدى!
المولد بصاحبه الغائب، الذي صار سمة صفحات التواصل الإجتماعي، أنتج لنا ظاهرة تستحق الدراسة حقيقة، عنوانها “أنا فيلسوف عصري”! عبارات وكلمات مرصوصة لا أتجرأ حتى على تسميتها بجمل مفيدة أو غير مفيدة، لأنها أصلا مبنية على مجهول النوايا التي خلقت هذه “التحف” المنشورة والمتوالدة بسرعة رهيبة، تعطي انطباعا لقارئها أن معاني عميقة جدا، تقف خلف تلك الكلمات المبهمة. وأن العيب في القارئ حتما إن لم يلتقط المغزى المخفي من ورائها، لقلة إطلاعه وثقافته!
أخشى أن أنقل بعضا من إرهاصات المشاعر وعصارات الفكر التي تقفز أمامي كعفريت العلبة كل صباح “عادة تلك الفلسفات تتفتق في ساعات الصباح”، و تجعلني أقف أمام لغتي الأولى التي تعلمتها في المدرسة، ولا أحتاج بعدها يوما واحدا، مساءلة نفسي: كيف خدعونا بقصص الأنبياء، والمجموعة الخضراء وشعر امرئ القيس وإيليا أبي ماضي، وحكايات الشعوب، لتكون لبنة بناء معرفتنا باللغة التي هي مفتاح المعرفة؟! يا لها من خديعة تلك التي لم تضعنا أمام تجارب الخارجين من الصناديق، وتعلمنا ماورائيات الكلام!
“الورقة الصفراء تقف على أول السطر، تنتظر أسبابك المجهولة لتنفخ في رئتيها الروح، فتكتمل القصيدة” مثالا!
وبالمثل، يأتي فلاسفة ما بعد الظهر، الذين استيقظوا متأخرين وتسلموا الراية من مناوبي الليل والصباح. وهؤلاء لا علاقة لهم بالقصيدة الحرة، ولا الخواطر العنكبوتية. لأنهم جادون وثقيلون برؤيتهم الثاقبة في تحليل الأمور المستجدة على الساحات، بطولها وعرضها سواء، السياسية أو الاجتماعية أو العقائدية أو الفنية، سيان!
قراءات جدلية ومناقشات محمومة تصل أحيانا إلى قلة الاحترام والشتائم، دون الاعتبار لعمومية المساحة المكتوب عليها. كلهم يفتون في كل شيء بدون أي سند علمي، أو مصدر معلوماتي أو حتى منطق عادي طبيعي!
والمصيبة هم أتباع الفئتين من الفلاسفة، ممن يعلقون على مصائبهم، بمصائب أوقع. فنجد من يحلل ويشرح ويفصل ما تم نشره آنفا، بفوضى الكلام غير المترابط، ولا المفهوم. إنما هو مجرد إعلان ولاء وتأييد لصاحب “الفكرة”، يخلف من ورائه تأكيدا عليها أولا لتصبح أيقونة الموسم، ومن ثم الشد على يد كاتبها، للاستمرار في أعطياته المجانية وعدم حرماننا من فكره ونظرته المختلفة!
ربما ساق “أمبرتو ايكو” مثال الحانات التي يطلق فيها السكارى أصواتهم بعبارات غير مفهومة، فيتم إسكاتهم بكلمة واحدة، وذلك بناء على طبيعة بيئته التي عاش فيها. ولكن حقيقة، وبعيدا عن هذا الجو الغربي، كانت في الماضي محاولات مماثلة في محاكاة الحكماء والفلاسفة الحقيقيين، من بعض “الحمقى” كان يتم بترها فورا من قبل المجتمع  الواعي قبل أن يكون متعلما، فتموت في أرضها أيا كانت. كان الحكم أيامها يطلق عليه اسم “الذوق”. أنهي المقال باقتباس آخر، هذه المرة للشاعر “بيرم التونسي”: لولا النقد لامتطى الأراذل ظهور الأفاضل. وبقدر ما يخفت صوت الناقد، يرتفع صوت الدجال!

التعليق