الإسرائيلي هو ثنائي القومية إلى حد كبير

تم نشره في الخميس 11 آب / أغسطس 2016. 11:00 مـساءً
  • قوات القمع الاسرائيلية تعتقل فلسطينيين يحتجون امام سجن عسقلان العسكري تضامنا مع الاسرى في سجون الاحتلال - (ا ف ب)

هآرتس

ديمتري شومسكي

11/8/2016

بطل "المسار الغريب" (1973) من المتآمرين في قصائد فلاديمير فيسوتسكي (1938 – 1980)، دخل بسيارته إلى شارع مجهول بدون مخرج، والذي لا يمكن أن يختاره بارادته. واثناء السفر يكتشف أنه ليس لوحده: الواحد وراء الآخر وبانصياع كبير ويأس عميق يسير فوق المسار المزيد من السيارات، وتلك التي لا تريد الاستمرار مع التيار يتم جرها جانبا وتختفي على جانب الطريق.
تغرق ينابيع الربيع هوامش المسار، وتصبح هناك ثغرة للهرب، وبرغبة التحرر يغير اتجاه المقود ويشق مسار خاص به وفي فمه جملة معروفة لدى الجمهور السوفييتي الذي لم يفقد ايمانه بحرية التفكير والابداع: "هوي، أنتم في الخلف، إفعلوا مثلي/ أي – لا تذهبوا ورائي/ هذا المسار لي فقط/ اهربوا في مساراتكم".
على ذكر مقال تامر نفار ("هآرتس"، 1/8) يصعب عدم ملاحظة التشابه بين عنوان مقالته "تعال نذهب معا في طريقين منفصلين"، العنوان المأخوذ من قصيدة لمحمود درويش، وبين عنوان "لا تسيروا ورائي" لفيسوتسكي. ومثلما أن فيسوتسكي أظهر أهمية التحرر الشخصي الخاص من البعد الواحد السطحي للجماعية السوفييتية، فإن نفار – بكلمات درويش – يضع "الأنا" القومي الفلسطيني أمام الفكرة الإسرائيلية التي تتميز حسب رأيه بأحادية القومية التي في مركزها اليهودية والتي لا تترك مكانا للقومية العربية الفلسطينية.
في الوقت الذي طلب فيه روغل ألفر في مقاله (24/7) من الفلسطينيين في إسرائيل أن ينضموا إلى المؤيدين اليهود لدولة جميع مواطنيها واقامة حزب يعمل على تطبيق هذا الهدف، فإن نفار يعبر في دعوته عن تجاهل الثقافة ثنائية القومية العربية – العبرية، مثل تلك التي يجسدها مع المخرج اليهودي اودي الوني منذ 15 سنة. ولكن هل الواقع المدني والثقافي الذي تتبلور في داخله الثقافة والوعي ثنائي القومية من النوع الذي يخلقه نفار والوني ليس إسرائيليا؟ هل الواقع السياسي الذي وجدت فيه المفاهيم الاساسية للثقافة والوعي ثنائي القومية – مثلا مصطلح "إسرائيل/ فلسطين" والذي يغضب القوميين المتطرفين اليهود على اطيافهم السياسية – أليس هو واقع سياسي إسرائيلي؟ والسياق الخاص الذي يلتقي فيه إبن الاتحاد السوفييتي في ابداعه مع الشاعر القومي الفلسطيني في الترجمة للعبرية في مقال من قبل فنان فلسطيني من اللد، ويلاحظ فيه امور بروحية شخصية مثالية من الثقافة التي تربى فيها – أليس هذا سياقا محليا إسرائيليا؟.
يزعم نفار أن الإسرائيلية التي نشأت هنا على مدى سبعين سنة حول ثقافة الواقع القومي الفلسطيني جميعها يهودية. هذا الزعم صحيح وخاطئ في نفس الوقت. فعندما يتم الحديث عن الماضي التاريخي فلا شك أن الإسرائيلية كانت يهودية. دولة إسرائيل أنشئت على أيدي اليهود ومن اجلهم فقط، ولا حاجة للحديث عن المغزى القبلي لمصطلح "إسرائيل" الذي هو الاسم التاريخي لشعب إسرائيل التوراتي – ومنه تم استخراج مصطلح "الإسرائيلية".
ولكن في الحاضر، في ايامنا، الإسرائيلية المحددة اصبحت أكثر فأكثر ثنائية القومية، ولا يوجد دليل أكبر من الخوف الهستيري الذي يسيطر على العنصريين في إسرائيل كلما سمعوا بفكرة الدولة المدنية الإسرائيلية. إنهم يفهمون جيدا أن تحقيق هذه الفكرة سيضع حداً لتفوق الجماعة العرقية الدينية القومية اليهودية، ويصنع المساواة الحقيقية بين الإسرائيليين من أبناء جميع الثقافات، الديانات والقوميات العرقية.
عنصريينا على حق: الإسرائيلية لا تنتمي لليهود فقط. يمكن رؤية ذلك مثلا في الصيرورات التي تمر على اللغة العبرية. صحيح أنه بالنسبة لنفار هذه قبل كل شيء لغة البقاء، كما يكتب بكل صدق، لكن بدون مواربة، هو والفلسطينيون الإسرائيليون الذين مثله، هم اصحابها، وليس أقل من اليهود الإسرائيليين.
مع كل سطر مساهمة للادب والثقافة العبرية يكتب العرب اصحاب الهوية القومية الفلسطينية، تتفكك الثيولوجيا الثقيلة عن اللغة العبرية، الامر الذي حذر منه غرشام شالوم في رسالته المشهورة لفرانتس روزنتسفغ. هكذا تتحول العبرية شيئا فشيئا من لغة المكان إلى لغة الإسرائيلي المحلي – يهودي أو فلسطيني.
التوتر بين فكرة الإسرائيلي وفكرة ثنائي القومية هو توتر وهمي ومصطنع. صحيح أن الجدل بين من يؤيدون الإسرائيلية السياسية المدنية الذي يقترحه ألفر وبين من يؤيدون ثنائية القومية كثقافة، كما يقول تامر نفار، ليس له أي قيمة ثقافية، لكن من الناحية السياسية هذا جدل فارغ من المضمون، لأن إسرائيلية ألفر هي الترجمة المحتملة الوحيدة للثقافة ثنائية القومية لنفار والوني إلى لغة السياسة العملية.
لذلك، ومن اجل أن يتمكن اولاد أبناء وأولادي من أن يفهموا في يوم ما العنوان باللغة العربية في مقال نفار، من الافضل أنه عندما يستجيب ألفر لدعوة نفار ويذهب لمشاهدة فيلم "جانكشن 48" والتحدث معه حول ثنائية القومية الفلسطينية اليهودية، سيتحدثان أيضا عن اقامة حزب إسرائيلي. حزب يساهم في تحقيق الحلم الانساني لدرويش وفيسوتسكي في إسرائيل – المكان المشترك للكثيرين والمختلفين، حيث أن كل واحد وواحدة منهم يصل اليه في المسار اليهودي.

التعليق