د.أحمد جميل عزم

جانيت وعماد وعرفات

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2016. 12:07 صباحاً

التقت جانيت ستيفينس، ابنة الحادية والثلاثين، ياسر عرفات في أحد خنادقه، يوم 8/ 8/ 1982، أثناء حصار بيروت، وقالت له: "أبو عمار، لا تخرج.. خُض المقاومة على غرار (معركة) ستالينغراد". أخبَرَته عن فزع الأمهات والأطفال بشأن خروج الرجال والفدائيين. كانت جزعة وعرفات يدرك مغزى الأمر. وعندما انهارت بالبكاء وهي تغادر، وأحاطها بذراعه محاولا تهدئتها، كان أحد الحراس، عمره واحد وعشرون عاماً، واسمه عماد مغنية، يراقب المشهد.
لشدة تعاطفها وتدخّلها في حياة المخيمات، أحبها الناس. ولكثرة صخبها، سمّاها البعض "فتاة الطبل". وشكّ الناس فيها، وأنها مخابرات أميركية أو موساد. وهي أميركية، تعمل صحفية "بالقطعة" لمن يوافق أن ينشر لها من صحف العالم، وتعد أطروحة دكتوراه في جامعة بنسلفانيا الأميركية. كانت تتنقل بين أزقة صبرا وشاتيلا، ومستشفيات غزة وعكا، في المخيمات ذاتها. ويوم حدثت المجزرة، رغم الضمانات التي أخذها عرفات من الأميركيين، كتبت مقالا بعنوان "لبنان الذبح".
وفي رسالة شخصية كتبتها إلى فرانكلين لامب (الذي سأذكر علاقتها به بعد قليل)، قالت: "رأيت نساء في بيوتهن، تنانيرهن مرفوعة حتى الخصر، وأرجلهن متباعدة، وعشرات الشباب أُطلقت عليهم النار بعد أن صُفّوا في خط مستقيم ووجوههم للجدار. رأيت أطفالا شُقت حناجرهم، وامرأة حاملا بُقر بطنها، وعيونها ما تزال مفتوحة مليئة بالرعب الأسود الصامت، وعدد كبير من الرضع طُعنوا أو مزّقوا، وأُلقي بهم للقمامة". 
ولد عماد مغنية العام 1962، والغالب أنه تربى في الضاحية الجنوبية ببيروت؛ المنطقة الشيعية الفقيرة، حينها. وفي سن 14 بدأت علاقته الفعلية مع حركة "فتح". ويذكر المشرفون على معسكر للأشبال شارك فيه، أنّ غالبية المشاركين كانوا يتحرقون لإنهاء نحو ثلاثة أسابيع من التدريب، لأنه في ختامه جزء مثير، هو إطلاق النار من البنادق. لكن عماد كان مهتما جداً بتفاصيل المعسكر الأخرى، حول التكتيك والعمل العام. وبعد ذلك، وقبيل اغتيال قائدها علي حسن سلامة، العام 1979، انضم مغنية لـ"القوة 17"، الجهاز الأمني في "فتح". وكان سلامة مشهورا بلقب الأمير الأحمر، معروفاً بحبه للحياة المترفة واللهو، بجانب الثورة.
خصصت جانيت ما بقي من حياتها لتوثيق المجزرة، وللبحث عن سبيل لمحاكمة القائمين عليها، وأولهم وزير الحرب الصهيوني حينها آرئيل شارون، كمجرم حرب.
بقي عماد في بلده لبنان. وبجانب ذكرى اغتيال سلامة، ومجزرة صبرا وشاتيلا، وصمود بيروت، كان غياب الإمام موسى الصدر واختفاؤه في ليبيا، مضافا لذلك الثورة الإيرانية العام 1979، مكونات أساسية بجانب الفقر، والذكاء، والفطنة، في عقله وشخصيته. وبدأ يبحث عن إطار للعمل لمرحلة ما بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت. وعلى الأغلب كان جزءا أساسياً من تكوين ما سمي "أمل الإسلامية" التي هي انشقاق عن حركة "أمل"، وربما مما سمي حينها أيضاً تنظيم "الجهاد الإسلامي"، وكل هذا صار لاحقا جزءا من حزب الله. ومما وُثّق أن عماد حاول حينها الحصول على متفجرات من عضو في حركة "فتح"، قائلا إنّ لديه من هو مستعد لتفجير نفسه في الإسرائيليين. وضحك عضو "فتح"، مستغربا وجود من يمكن أن يفعل ذلك، ولم تكن موجة العمليات الاستشهادية قد بدأت. لكن لاحقاً سيصبح عماد قائدا غامضاً في حزب الله، ولن يرتبط اسمه بعشرات عمليات التفجير ضد الإسرائيليين والأميركيين فقط، بل بالقيادة العسكرية للحزب، وبعمليات ضد أهداف ودول عربية، منها طائرة الخطوط الجوية الكويتية في ربيع 1988، وسيعجز الأميركيون والإسرائيليون عن النيل منه، حتى اغتياله في دمشق العام 2008.
في 18 نيسان (إبريل) 1983، كانت جانيت في السفارة الأميركية ببيروت، وكان لديها موقف معلن هو ضرورة محاكمة شارون كمجرم حرب. ويعتقد أنها كانت هناك في الكافتيريا، للقاء مسؤول إغاثة اميركي لدفعه لتقديم المساعدات لمخيمات اللاجئين، عندما انفجرت سيارة بنحو طن متفجرات، وليهبط فوقها نحو طن من الإسمنت والركام. ويكتب لامب العام 2007، أنها كانت حاملا بابنه، وأنّ الطفل إن عاش، لكان بوسامة أمه، كالأمير، واسمه "كليد"، وعمره 24 عاما.
في سن الرابعة والعشرين، قتل الإسرائيليون جهاد، نجل عماد مغنية، في غارة في القنيطرة في سورية، العام الماضي.
عماد وجانيت وعرفات ونساء وأطفال المخيم وكليد وجهاد في مواجهة شارون وما يمثّل.

التعليق