عيسى الشعيبي

الانتخابات كحدث سعيد

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2016. 11:06 مـساءً

للناظر إليها من خلف الزجاج، تبدو الانتخابات العامة حدثاً عاماً سعيداً، تترقبه أكثرية الناس باهتمام متفاوت الدرجات، ومنطلقات متباينة بين فئة اجتماعية وأخرى، بمن في ذلك الزاهدون بالانخراط في الشأن العام، والعازفون عن المشاركة لأسباب تخصهم؛ إذ لا يستطيع المخاطب بهذا التقليد الحضاري الباذخ أن يدير ظهره لحدث مشترك، تتواصل فعالياته لنحو مائة يوم على الأقل.
إذ من يوم الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات النيابية، وحتى ليلة الذهاب إلى صندوق الاقتراع، تتشكل على نحو تدريجي لوحة "بانورامية" عريضة، تتداخل فيها الخطوط والألوان، وتتمظهر على سطحها الظلال والتموجات التكوينية، إلى أن تصبح في نهاية المطاف أقرب ما تكون إلى رسم تعبيري مجرد، يفهمه كل ناظر إليه عن قرب، بصورة ذهنية تختلف باختلاف المرجعية المعرفية، والذائقة الفنية، وتباين زاوية الرؤية الشخصية.
غير أن الصورة من داخل الغرفة الزجاجية المغلقة على أصحابها، تظل مختلفة عن الصورة الانطباعية المتشكلة في الفضاء المفتوح، حيث جلبة الحركة على أشدها، والأصوات المتقاطعة تصم الآذان، فيما المرشحون ومساعدوهم في غدو ورواح لا يهدأ، لاستثمار كل دقيقة من الوقت، واستكمال "لوجستيات" يوم الاقتراع، أو قل يوم الحساب الصغير، على أحسن وجه ممكن، ولا عذر للمقصرين إن لم يحسبوا لليوم الموعود كل الحساب.
على أي حال، فإن للانتخابات العامة الدورية المنتظمة، جملة من الميزات التي لا حصر لها، الأمر الذي يخلق كل هذا الترقب والاهتمام لدى الناس. فهي بالنسبة للمرشحين فرصة سانحة لإثبات الأهلية التمثيلية، وسانحة فريدة لتحقيق الذات السياسية. وهي بالنسبة للمجتمع، معمل حديث لإنتاج النخب، وتزويد الدولة بالقادة الجدد، وتحقيق التدافع بين الأجيال، كما تحقيق الإصلاح السياسي، وإنجاز التغيير المطلوب، عبر أفضل اختراع اجتماعي ابتكره الإنسان.
أما بالنسبة لنا نحن المصوتين والمتفرجين والمراقبين ومن يلف لفنا، فإن الانتخابات تعتبر محطة فارقة على طريق طويلة، يتقاطر إليها جمهرة من الركاب المغادرين والقادمين، كل يحمل حقيبة سفره ويتجه إلى مكان معلوم، فمنا من لديه غاية أداء استحقاق دستوري يود أن يؤديه من دون تمنّن، ومنا من يروقه متابعة هذا المخاض السياسي بقدر من الفضول، ومنا أيضاً من له مصلحة مادية مباشرة يرغب في اغتنامها من دون تأخير.
بهذه الرؤية الموضوعية، من الواقعي التعاطي مع الانتخابات كحدث اجتماعي سياسي مركب، باعث على الابتهاج، باعتباره دليل عافية في المقام الأول، لبلد مستقر آمن في صحراء بلا زرع، إلا من الاضطراب والعنف والموت الزؤام، وبكونه أداة قياس غير مشكوك في صحتها، لاختبار الأحجام والأوزان، وحك معدن المتنافسين في المضمار، ناهيك عن كونه سلّما متحركاً على طريق تطوير الحياة السياسية وإحمائها بانتظام.
ولا أحسب أن أحداً من المعنيين بهذا الماراثون، لاسيما غداة الانخراط في معمعان تشكيل القوائم، والبدء في حملة استقطاب الناخبين، وتحييد المنافسين، وطرح البرامج وعقد المهرجانات، يمكن له أن يرى الأمر لا يخصه، أو يعتبر نفسه خارج المشهد المقدر له أن يحتدم أكثر، وأن يتسع نطاقاً مع مرور الوقت، حتى وإن كانت لديه نية عدم الإدلاء بصوته لأي سبب كان.
بكلام آخر، وأياً كانت النتيجة التي ستسفر عنها هذه الانتخابات، المقرر لها أن تجري بعد نحو شهر من الآن، فإنها ستكون نتيجة طيبة في كل الأحوال، وستعدّ مكسباً للجميع، اللهم باستثناء الخاسرين الذين أفرطوا في توقعاتهم الذاتية، أو أخطأوا في عقد حساباتهم التحالفية، إلا أنهم شاركوا بحمية وإخلاص في تظهير صورة سياسية مشرقة، وأسهموا في تطوير الحياة الديمقراطية التي لن تتطور إلا مع الحفاظ على هذه الآلية، كي تواصل عملها تحت كل الظروف.
ومع أن المشهد الانتخابي لا يخلو من المآخذ، وكان من الممكن تجويده على نحو أفضل، فإن خوض هذه المغامرة الجميلة بكل المعايير، وبكل ما لها وما عليها من تحفظات، خاصة في ظل الظروف المعلومة في المحيط المجاور، يظل مشهداً باعثاً على الابتهاج، وموضعاً للاعتداد الوطني، وقبل ذلك وبعده دليل عافية سياسية، يتطلع إليها كثير من الأشقاء بحسرة يخالطها الاغتباط.

التعليق