د.أحمد جميل عزم

"عماد" وعلي رضا أصغري

تم نشره في الخميس 25 آب / أغسطس 2016. 11:08 مـساءً

لم أتوقع عندما نشرت قبل أسبوعين مقال "جانيت وعماد وعرفات" (12/ 8/ 2016)، حجم أو نوع التفاعل مع الموضوع. فعلاوة على القراءة الكثيفة للمقال، جاءت تعليقات شفاهية وإلكترونية متنوعة، ومتناقضة بحدة. وعلى سبيل المثال، كان هناك تفاعل من أشخاص عدة من تونس، في إشارة لعلاقة جانيت ستيفينس -التي قتلت في تفجير السفارة الأميركية في بيروت العام 1983 - بتونس. وقد أعود لهذه العلاقة في مقال لاحق. وكان هناك تعاطف كبير مع جانيت، رغم محدودية ما ذُكر عنها، ولكن ربما كان كافياً لملامسة وجدان الكثيرين.
الشق الثاني من التفاعل كان بشأن شخصية عماد مغنية؛ فهناك من تعاطف معه، ومن استغرب واستهجن المقال وغضب، لأني برأيهم وضعت مغنية مقترناً بياسر عرفات وجانيت، في ذات المسار الإنساني والنضالي. وفي الواقع أني تعمدتُ أثناء كتابة المقال، أن يكون دوري سرد الأحداث، وربطها ببعضها، تاركاً الاستنتاجات للقارئ، من دون إغفال فرضية دور مغنية في عمليات إرهابية، منها استهداف طائرة كويتية وغيرها.
كان في المقال تلميحٌ بأنّ خروج المقاومة من بيروت، أدى إلى تحولات غالية الثمن، منها مقتل أمثال جانيت، وانتقال أمثال مغنية لمسار جديد مختلف. واقتربتُ في آخر جملة في المقال، من التصريح أنّ جانيت، والمقاومة، وصبرا وشاتيلا، وحتى عماد الذي بدأ مع "فتح"، ثم مضى في مسار آخر، هم ضحايا المشروع الصهيوني، بطرق مختلفة، ومتناقضة.
كنت أشير لسوداوية عالم السياسة، التي تجعل الصديقين "شتيتين" متضادين، بقصدٍ حيناً، ومن دون رغبة حيناً ثانياً. ولعلي أكمل اليوم جزءا من المشهد، أو استعراض المزاعم والفرضيات حول المشهد.
في كتاب "الجاسوس الجيد" (The Good Spy)، لكاتبه كاي بيرد، والذي كان أحد مصادر مقالي سالف الذكر، يأتي أنّ "دور مغنية في تفجير السفارة الأميركية العام 1983 أكيد"، لكن حجم الدور وماهيته ليسا أكيدين، خصوصا أنّ "العملية من ناحية تقنية معقدة جداً بالنسبة لشاب عمره عشرون عاماً (آنذاك)"، وأنّ مغنية أخبر شخصية لبنانية، قريبة من الثورة الفلسطينية، هو مصطفى زين، بأنّه لا دور له، وأنّ هذه هي "عملية (علي رضا) أصغري"؛ ضابط الحرس الثوري الإيراني، الذي التقى عماد في بعلبك، العام 1982، وجنّده، لتبدأ شراكة كبيرة بين الطرفين، من نتائجها تأسيس حزب الله، وخطف رهائن، وعمليات مختلفة. وبقي أصغري طويلا في لبنان وسورية، حتى التسعينيات، وترقى ليصبح نائباً لوزير الدفاع الإيراني بين العامين 1997-2002، ثم لينتقل لاحقا للعمل في شركة كهرباء ذات دور أساسي في المشروع النووي الإيراني. بعد ذلك اعتقل لمرحلة وجيزة (لسبب غير واضح)، ليعمل بعد الإفراج عنه في تجارة زيت الزيتون، وأصبح أقرب للمعارضة في إيران، خصوصاً بعد وصول خصمه القديم، في الحرس الثوري، محمود أحمدي نجاد، للرئاسة.
وفي العام 2007، اختفت آثار أصغري في تركيا. ومنذ ذلك الحين تَصدُر اتهامات إيرانية للولايات المتحدة وإسرائيل بخطفه، وأنّه قابع في سجن إسرائيلي، وربما مات فيه. لكن بحسب الكتاب وتقارير أخرى، انشق أصغري وذهب عبر عملية معقدة، من دمشق إلى تركيا ثم ألمانيا، فالولايات المتحدة، وقدّم معلومات خطيرة عن المشروع النووي الإيراني، وعن حزب الله، ومعلومات أدت لاغتيال مغنية (تلميذه أو جنديه السابق وصاحب السيرة الغامضة حتى الآن).
كم هي القصص التي تشير لأشخاص، وخصوصاً سياسيين، يأخذون شباناً لطريق يحدد حياتهم وطريقة مماتهم، ثم ينقلبون لوجهة أخرى ويتخلون عنهم؟
لو صدقت القصة، فهي مؤشر آخر على عبثية وغرائبية عالم السياسة. والأنكى وجود مزاعم أكثر غرابة. ففي العدد المزدوج 262/ 263، لمجلة شؤون فلسطينية، العام الماضي، مقال للكاتب محمود الناطور (أبو الطيب)، القائد السابق لـ"القوة 17"؛ إحدى تشكيلات حركة "فتح" والتي بدأ مغنية حياته بها. ويذكر في المقال أنّ من فجّر السفارة هم الإسرائيليون، انتقاماً من بوب آميز، مسؤول المخابرات الأميركية (CIA) في الشرق الأوسط، وغيره من ضباط مخابرات، قُتلوا هناك. إذ كان آميز يتبنى فتح قناة حوار مع منظمة التحرير، ويبذل جهوداً لإقناع المسؤولين الأميركيين بتبني تأسيس دولة فلسطينية.
هذه روايات يتبناها سياسيون وكتاب جادون، تعبر -أولا- عن غرائبية وعبثية السياسة حيناً، وبالتالي حياة المتورطين فيها. وثانياً، محدودية وتضارب ما بين أيدينا لنستطيع سرد تاريخ حياتنا القريبة.

التعليق