حنان كامل الشيخ

كفاءة طلاب الإعلام

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

لماذا لا يتم اعتماد امتحان كفاءة في كليات الإعلام بالمملكة، قبل قبول الطلاب وتسجيلهم ضمن البرنامج الدراسي؟
 كلية الإعلام كمنفذ تعليمي وتدريبي معتمد في تخريج إعلاميين متخصصين في شتى الحقول الصحفية، تحتاج بجدارة أن تتعرف على قدرات الطلاب ومواهبهم المتعلقة في العمل الصحفي. ولا يكون بالضرورة امتحانا شاملا عميقا ومعقدا، بقدر ما سيقيس على الأقل كفاءة الطلبة في المعلومات العامة كالتاريخ والسياسة، القراءة والكتابة بدون أخطاء إملائية كارثية.
في الأردن، يعيبون على عثرات جسيمة يقع فيها إعلاميون صغار وكبار، ويلاحقونها في مواقع التواصل الإجتماعي بالسخرية والتعليق المهين أحيانا. لكن لا أحد ينظر إلى الجامعات التي خرجت مثل هؤلاء الصحفيين والإعلاميين، الذين يتسلمون شهاداتهم في نهاية كل عام، وحين تلتقط لهم صورة تسلم الشهادة، لا يعرفون كيف ينظرون إلى عدسة الكاميرا! بل وعندما يرون “ميكرفون” إحدى القنوات، يسارعون بالهرب من أمامه. وحين يباغتهم أحد المتفلسفين في مراكز تدريبهم، عن تاريخ استقلال الأردن، يحتارون في الإجابة!
نعم، هذه مخرجات التعليم في بعض الجامعات التي تدرس هذا الحقل الحساس جدا. لكن، وفي البداية وحين يتعلق الأمر بالخطوة الأولى، فعلينا أن نعترف أن كثيرا من طلاب الإعلام، إما مسيء الاختيار، أو لأنهم استخفوا بالتخصص مقابل الدراسات الأخرى، باعتباره واحدا من تلك التخصصات التي تمنح الشهادة في نهاية الأمر، وكيفما اتفق!
نادرة جدا الكليات التي تحترم نفسها، وتحاول أن تعالج الخلل في سوء الاختيار، وتلتف على أمّية الطلاب المخيفة، بالبرامج التعلمية المكثفة، والتجارب التدريبية الحقيقية، لتحافظ على الأقل على بياض وجهها أمام المؤسسات الصحفية والإعلامية، حين يتقدم إليها خريجوها، وهي بالطبع وللأسف كليات خاصة، لها اعتباراتها الترويجية وسمعتها الأكاديمية التي تسعى أن تبقى نظيفة.
لكن هذا لا يلغي أهمية امتحان الكفاءة في كلية الإعلام بالذات، ليس ليقبل أو يرفض أعداد الطلاب الراغبين في التسجيل، بقدر ما سيخرج صورة بيانية علمية لمواقع الخلل، قبل أن يصادفها المحاضرون بالصدفة، ولا يعرفون كيف يتعاملون معها. خلل يتعلق بالمعلومات السياسية والتاريخية، واللغوية بطبيعة الحال، تستلزم توطئة تعليمية في تلك الحقول، تكون جزءا أساسيا في جدول ساعات الدراسة. فليس من المعقول أن يلم الطلاب بنظريات الاتصال، ويحفظوها صما، وهم وحتى السنة الرابعة يكتبون التنوين، بالنون على سبيل المثال المؤسف!
ثم يأتي أحد الصحفيين الموكل إليه تدريب خريجين جدد، بهدف تعيينهم في إحدى المؤسسات، ويفاجأ بمثل تلك المخرجات، فيشتم أول ما يشتم، الجامعة التي منحت شهادة لصحفي لا يعرف أسماء صحف بلده!
في كليات العلوم، يظهر الخلل حين يرسب الطلبة في مواد علمية بحتة كالرياضيات والفيزياء والأحياء. ولكن في حقول الآداب، يكون لبرنامج التدريس زوايا وخفايا، يلتف حولها الدارسون، ليهربوا قدر الإمكان من مسؤولية الجهل بأدنى بدهيات الدراسة الأدبية. وأهم منافذ الهرب في العادة، تقوم على مبدأ حفظ المواد عن ظهر قلب، ليتم سكبها كما دلو الماء في أول ساعة امتحان، والخروج من القاعة فارغي الأحمال!
كان زملائي وأنا معهم، نتذمر أيام الدراسة الجامعية في السنتين الأوليين من ثقل الدراسة، في جامعة الجزائر قبل ما يزيد على عشرين عاما. كانوا يقولون باللهجة الجزائرية المحببة “قرونا كل شي!”، بمعنى أنهم درسونا كل الحقول، باعتبار أننا قضينا عامين كاملين في دراسة التاريخ واللغة والفلسفة والأدب العربي والإحصاء، والفنون الكلاسيكية والعلوم السياسية وعلم النفس، درسنا إياها محاضرون في الإعلام بالمناسبة، ولم يتم الاستعانة بمتخصصين خارجيين إلا نادرا. عامان كاملان لم نقرأ فيهما كلمة تخص الإعلام، الذي احتل موقعه في السنتين الأخيرتين للدراسة، وهو وقت أكثر من كاف في الحقيقة.
امتحان كفاءة صغير قبل القبول والتسجيل، سيغير مجرى برنامج الإعداد والتدريس في كليات المملكة كافة. ويعدل بالتأكيد من شكل المخرج الصحفي والإعلامي، في الأعوام القادمة.

التعليق