جهاد المنسي

متلونون منفصمون!

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2016. 11:04 مـساءً


للانتخابات جو مختلف، لها طقوس وفيها دروس، تقرّب ناسا وتُبعد آخرين، تكشف اصطفافات ناس، وحقيقة آخرين. يعرفك موسم الانتخابات بمن يرفع شعارات شعبوية للبهرجة الإعلامية، ومن يرفع شعارا يؤمن به واقعا معاشا ويدافع عنه ويستميت لحمايته، ويتبناه سرا وعلنا، ليل نهار.
وفي موسم الانتخابات يستطيع المراقب معرفة من يتجمّل ويمثل عليك، ومن يؤمن بالعدالة والمساواة قولا وفعلا، عملا وواقعا، وصيرورة حياة، ومن يدّعيها كذبا وتملقا وتمثيلا.
في موسم الانتخابات يكثر المتجملون، والمدعون، وأصحاب الوجوه المتعددة، تعرف حقيقة البعض وانسجامهم مع أنفسهم، وإلى أي مدى تكون قناعاتهم بما قالوه سابقا.
حقا، للانتخابات جو آخر، جو يكثر فيه التملق والمتملقون، والصيادون والأدعياء وأصحاب الوجوه المتعددة، ممن لا تعرف موقفهم، ولا تستطيع أن تبني على رؤيتهم أو أن تتقدم للإمام.
أولئك، ومن على شاكلتهم كثر، يتواجد منهم أحيانا في إعلامنا، وتحت قبتنا، وفي أحزابنا ومؤسساتنا المختلفة، وبعضهم يتسلق منابرنا، مثل أولئك يساهمون دوما في تراجعنا للوراء، يجعلوننا نحبو باتجاه الإصلاح والدولة الحديثة ولا نصل إليها.
أصحاب الوجوه المتعددة هم أنفسهم من يريدون إعادتنا للخلف، أو جعلنا نبقى ندور في حلقة مفرغة، وفي مكانك سر، أولئك بلا موقف وبلا رؤية، ويمثلون تيار شد عكسي غارق في الرمادية.
أولئك، بطبيعة الحال، ثمة من هو أفضل منهم بكثير، ممن يُطلق عليهم إصلاحيون أو ليبراليون أو محافظون، فكل من مؤيدي المدارس الفكرية تلك أفضل من اؤلئك بكثير، فالمحافظون لهم رؤيتهم وموقفهم ويدافعون عنهما جهرا وسرا، وكذلك يفعل الإصلاحيون والليبراليون، فأولئك أوضح موقفا، وأكثر شفافية، وأعمق رؤية وفكرا.
الليبراليون والإصلاحيون والديمقراطيون والمحافظون، وكل التوصيفات التي نعرف والتي لا نعرف معروفون لدينا، نعرف رؤيتهم ومدارسهم الفكرية التي يدافعون عنها، فيما أولئك الرماديون المتلونون يساهمون في عودتنا للوراء، ويخلقون حالة عبثية وتشويشا للأفق، فلا موقف لهم ولا رؤية. يسممون أجواء المجتمع والناس ويعيثون تخريبا في الأفق، فيتناقلون مواقف غير صحيحة، ويبثون تسريبات غير واقعية وغير قابلة للتطبيق، تراهم بمواقف مختلفة فلا تستطيع  معرفة ماذا يريدون! يتلونون ويميلون حيث تميل الرياح، مواقفهم متناقضة، يؤيدون الإصلاح حينا، ويرفضون تمكين الشباب والمرأة وتعزيز قيم العدالة والمساواة والمواطنة، يتحدثون عن الدولة العصرية، وفي الوقت عينه يغرقون في العشائرية والجهوية، يدعون لإصلاح التعليم، وفي الوقت عينه يؤيدون بقاء الاستثناءات، يدعون لحلول لمشكلة الطاقة، ويرفضون الاستثمار بالصخر الزيتي أو الطاقة النظيفة وخلافها، يدعون لمحاربة الفساد والإفساد، ويرفضون تجريم الواسطة والمحسوبية ويكرسونهما، يتحدثون عن دولة القانون والمساواة، وفي الوقت عينه يتوسطون لتاجر مخدرات أو متعاطيها، يؤيدون التوجه للامركزية وفي السر يرفضونها.
مثل أولئك لا نعرف لهم موقفا واضحا، ولا يمكن أن نمسك لهم رؤية، فيساهمون في انحراف البوصلة، ويصنعون رأيا عاما مشوشا، فيمنعوننا من الانتقال باتجاه الإصلاح والدولة الحديثة، والانتقال من حالة العبثية والدوران في حلقات مغلقة، إلى تكوين مدارس فكرية ببرامج ورؤية واضحة، يكون فيها لكل مدرسة فكرية وجودها ورجالها وأتباعها ومريدوها.
في موسم الانتخابات يمكنك رؤية حالات رمادية، قل نظيرها في مناسبات أخرى، والأنكى أن مثل أولئك الرماديين يساهمون في صناعة رأي عام غير مستقر، فنشعر بحجم ضياع البوصلة التي نعاني منها، وحجم التزلف والنفاق الذي يمارس. ولا تفهم كيف يكتب البعض خلاف ما يعتقدون، ويمارسون تحت الطاولة ما أيدوه بالعلن، فذاك انفصام ليس بعده انفصام، وتلون ليس بعده تلون.
فيا أيها المتلونون، كفاكم لعبا بإصلاحنا، اتركوا عربتنا تنطلق، ودعونا نصنع لأنفسنا أفقا جديدا يكون أوسع من تلّونكم، أفقا يتسع للجميع عبر الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمان الجريده شارع الستين حي الإيمان (دكتور محمد شحاده)

    الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2016.
    الإعلامي الاستاذ جهاد منسي الحترم
    لك كل الاحترام والتقدير على هذه المواضيع التي تتناولها بمقالاتك لما نحن بحاجه ماسه الى وعي تام لطبقات المجتمع لان هناك اخطار تداهمنا في مجالات مختلفه في الحياه
    وكما انه لابد من ممارسه السلطه الرابعه مهامها في الحياه لما لها من اهميه بالغه في الوعي المجتمعي
    فلك مني كل الاحترام والتقدير