إنها النبوة يا أبا سفيان

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

د. محمد خازر المجالي

هو الفرق بين قيم الأرض وقيم السماء، ومشاعر الإنسان العادية وتلك المرتبطة بآمال الرجاء من الله تعالى؛ بل قولوا هو الفرق بين العبد صاحب النظرة المادية فحسب، وذاك الجامع بين الأخذ بالأسباب ومعرفة أن الله هو القادر على كل شيء.
حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة المنورة، والتفت إلى مكة مودعا، تتجاذبه مشاعر الحب نحو وطنه، والعشق لرسالته التي كلفه الله بها، لكنه مأمور بالهجرة، حينها أنزل الله عليه آية مطمئنة له: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (القصص، الآية 85)، وهو لا يدري كيف سيرده الله إلى مكة، لكنه قطعا رد مشرف لأنه وفق أمر الله وإرادته ورعايته لهذا الدين وأهله. وكان فتح مكة.
حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة متواضعا مسالما متراحما، وقد أكرمه الله خلال ثماني سنوات من النصر على قومه الذين أخرجوه، حتى أُحُد التي كانت هزيمة مادية ولكنها بنتائجها نصر معنوي، بل إنْ ربطنا بها غزوة حمراء الأسد التي كانت في اليوم التالي حين صممت قريش على العودة واستئصال المسلمين، لكن الرعب دب في قلوبهم ورجعوا خائفين؛ حين دخل النبي وصحبه مكة فاتحين، وكان أبو سفيان ينظر إلى جيش المسلمين وقد أمّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وبجانبه العباس بن عبدالمطلب، حينها قال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فرد عليه العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان.
أجل إنها النبوة، وإنها رعاية الله لمن كان معه. وشتان بين من تكون حياته لله حبا وعملا وتوكلا وطمعا في رضوانه وسيرا وفق منهاجه، ومن هو لاهٍ لاعب لا يعنيه أمر دينه، ومن باب أولى ذاك الذي يكرّس حياته عداء لهذا الدين، بل ربما يشغله أمر انتشار الإسلام حقدا وكرها، وينفق الأموال ليصد عن سبيل الله، ويسهر الليالي هو ومن معه من أجل وقف هذا الدين، يشوهونه ويثيرون الشبهات عليه ويمكرون. وأنا لا أتحدث عن غير المسلمين، بل عن المسلمين الذين تشوهت أفكارهم وشربوا مفاهيم مغلوطة، وتداخلت مصالحهم الدنيوية وأهواؤهم مع مصالح غيرهم وأهوائهم الكارهة للإسلام، فكان هذا الموقف العام من كل شيء إسلامي.
إن الذي نصر محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه بل كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أشد حالات الضعف، لهو قادر على نصر الحق في أي وقت وحين. وليس مطلوبا من المؤمنين إلا شرط واحد هو نصرة دين الله: "... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..." (محمد، الآية 7)، بالالتفاف حول هذا الدين وبذل المستطاع والتضحية، فدين الله لا ينتصر بالمعجزات بل بجهد أبنائه وبناته، وعندها يؤيد الله عباده.
إنها النبوة يا أبا سفيان، وإنها معية الله وحبه لأوليائه وتأييده لعباده يا أيها المستهزئون بهذا الدين. وصمد الإسلام وقد شن عليه أعداؤه كل أنواع الحروب منذ لحظة إعلانه بالوحي في الغار. والأيام دول، يوم لك ويوم عليك. لكن المعادلة ليست اعتباطية، بل وفق نصرتنا لدين الله. فما دمنا متمسكين به فهي السيادة والعزة والرحمة المتولدة عنهما، أما غير ذلك من تراجع فلأن ولاءنا تشتت ولهونا ولعبنا ازدادا، وتخلينا عن المبادئ هو ديدننا.
لقد وعد الله عباده المؤمنين بأنه ناصرهم: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" (التوبة، الآيتان 32 و33). ويقول سبحانه: "... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (يوسف، الآية 21)، فهو الذي حفظ هذا الدين ورعاه، وهو الذي يهيئ له من يحمله ويذود عنه، وهو الذي يسبب الأسباب، إنه الله.
لقد بلغ المكر بأعداء هذا الدين مبلغه، ومعهم أصحاب النفوس المأزومة الكارهة للالتزام وصدق الإسلام: "وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" (إبراهيم، الآية 46)، وها هم يظنون عبثا أن جهودهم ستفلح في محاصرة هذا الدين وتشويهه، ويأبى الله إلا أن يزداد الوعي بهذا الدين، ويزيد أتباعه في الدول التي تقود حملة التشويه والحرب ضده، ببساطه: إنه دين الله.
لا أتعجب كثيرا من أناس مسلمين باعوا أنفسهم وسخّروا جهودهم لوقف هذا الدين، واتهموه بالرجعية والتخلف، وعظموا مناهج غربية وتحررية ظانين أنها الحق، وهذا تقويم خاطئ حين أركز على سلبيات قديمة وحديثة هي من أخطاء الأتباع، وأعممها وأحمّلها لتكون مرتبطة بالدين نفسه، الدين الذي قال الله عنه: "... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا..." (المائدة، الآية 3)؛ نزلت هذه الآية في عرفة في العام العاشر للهجرة في حجة الوداع، مطمئنة للمسلمين، مرغّبة بالتزام هذا الدين الذي أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا، فليس لنا بعد رضى الله من اعتراض، بل الخضوع والاستسلام، وليبدع العقل في مناحي الحياة كلها، وفي النصوص نفسها استنباطا وتدبرا.
سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار كما أخبر صلى الله عليه وسلم. ونريد من المسلمين التزاما وانفتاحا ورحابة صدر وصبرا وتحملا، ومن أعداء هذا الدين تفكرا وقراءة صحيحة، وفي النهاية فالأمر كله لله أولا وآخرا.

التعليق