تسييس العمل الخيري

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2016. 11:09 مـساءً

أيما امرئ أو جماعة أو حزب... يقوم بعمل خيري أو تطوعي للناس المحتاجين إليه؛ من مثل تقديم عون مالي أو غذائي أو صحي أو تعليمي... لتحقيق أغراض سياسية أو شخصية ما، فإنه ينزع عن هذا العمل الخيري (أو التطوعي) خيريته، ويفرغه من معناه، لأنه عندئذ يتحول إلى رشوة مسبقة من أجل تحقيق خدمة أو منفعة لاحقة.
استراتيجية الخير تقضي بقيام الدولة بواجبها -اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً وإدارياً...- تجاه جميع مواطنيها لا تمييز بينهم، وبحيث تخرجهم ببرامجها وخططها من دوائر الفاقة والفقر أو النسيان أو الإهمال أو السؤال. وعندما تتلكأ في ذلك أو تتغاضى عنه أو تفشل فيه أو تفسد، تنبري مؤسسات المجتمع المدني والمثقفون، بالضغط عليها لتقوم بواجباتها نحو أولئك المواطنين، لأن العمل الخيري العارض -ما لم يكن لمواجهة كارثة ما- لا يستطيع أبداً قطع دابر تلك المشكلات وعلاج تلك العلل.
ليس بـ"الكراتين" أو "البقج" أو المساعدات العابرة لمواجهة مشكلات وعلل دائمة يحيا الإنسان. إنّ مثلها مثل الذي" يُطعم الجائع سمكة فيأكل مرة واحدة، ولكنه لا يعلمه صيد السمك، ليأكل طيلة حياته"، المثل الذي دعا إليه الحكيم الصيني كوانتزو قبل أكثر من خمسة وعشرين قرناً.
العمل الخيري المشبوه لا يهمه سوى اليوم الحاضر، لا اليوم التالي. فعندما وقعت أحداث العنف في ضواحي المدن الفرنسية المحرومة، تعب المدافعون عن حقوق المواطن هناك وهم يطالبون حكومة دولتهم القيام بواجباتها تجاه مواطنيها. لم يهتبلوا الفرصة لإرسال الطرود، أو تخصيص أيام طبية مجانية لهم ليحصلوا على الشعبية أو على أصوات الناخبين منهم في الانتخابات المقبلة. وحتى الحزب الحاكم والحزب الرئيس المعارض لم يفعلا ذلك، على الرغم من حاجتهما الشديدة إليه، لأن مثل هذه الفزعات لا تحل مشكلة الفاقة والفقر والجوع والصحة والبطالة بصورة نهائية، كما أنها تعفي الدولة من مسؤوليتها نحو جميع مواطنيها.
يبدو أننا في بلاد العرب والمسلمين نستغل دعوة الدين إلى عمل الخير المشروط بأن لا تعرف شمالك ما تقدمه للمحتاج بيمينك؛ لأن الذي يعطي ليراه الناس لا يعطي أحداً في الخفاء، بل لمنفعة شخصية أو سياسية لاحقة. بل إن هناك كثيرين بيننا يعتبرون الفقر والجوع والمرض... ضرورات اجتماعية يجب المحافظة عليها ليتفضل الميسورون منهم على الفقراء والمحتاجين بالإحسان والصدقات والفتات حلاً لمشكلات هؤلاء الميسورين النفسية وخفاياهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واستعادة لتوازنهم بها، وليس للقضاء التام على الفقر والعوز والمرض. أين هم من الأم تريزا مثلا؟!
إن استغلال العمل الخيري لأغراض شخصية أو سياسية، أي تسييسه، لا يختلف -في نهاية التحليل- عن الرشوة التي يدفعها مرشح للانتخابات للناخبين ليقترعوا لصالحه، أو عن تزويرها لصالحه مقابل وعد بخدمة مقابلة لاحقة، وإن تظاهر بأن ما يقدمه هو لوجه الله تعالى فقط، متجاهلا علم الله تعالى بالسرائر والدوافع. وبما أن كثيراً من الناس في بلاد العرب والمسلمين أميون أو جهلة دينياً أو ثقافياً، فإنهم لا يدركون المعنى والمغزى لهذا العمل الخيري "المشبوه"، فيقابلونه بما يتوقعه منهم فاعلوه كيلا يحرموا منه.
ومن ثم،، يجب أن يمنع من الترشح للانتخابات من يقوم بمثل ذلك.

التعليق