أثر الحب في تحسين الصحة النفسية

تم نشره في السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً
  • الخطر الأكبر الذي يحدق بالقلوب يكمن في افتقارها إلى الحب - (ارشيفية)

عمان- في حياة كل إنسان مرحلتان؛ "معاناة الحب" و"التفكير في الحب"، وقد تطغى إحداهما على الأخرى، ولكنهما واضحتان في كل حياةٍ بشريةٍ، ومرحلة المعاناة تستغرق القسم الأكبر من حياة المرأة، أو أن هذه لا تمر بالمرحلة الثانية، إلا في فترات متقطعة قصيرة تتخلل الأولى، تخللاً، من دون أن تنقطع عن مجراها، أو تنقطع عنها، والشعوب في هذا الحقل كالأفراد، بمعنى أن كل شعب يمر في تطوره بأدوار من معاناة الحب وأدوار من التفكير فيه.
والحب لم يصبح موضع تفكير إلا بعد أن تمثل في وقائع وشواهد وحالات، مرَّ بها أو اطلع عليها أهل الأرض، وصاروا في كنهها، ودهشوا لما طالعتهم به من أقوالٍ وأعمالٍ وتصرفاتٍ، وكانت دهشتهم تلك مبعث تفلسفهم فيه، وحافزاً لهم على تفهمه، واستكشاف أسراره، شأنهم معه كشأنهم مع العالم الذي تحاول الفلسفة تفسيره.
وعلم الطب في دراسته ومعالجته لمختلف الأمراض، ولج عالم النفس وانفعالاتها ومدى تأثير ذلك على التسبب بالمرض، أو الحماية منه، وفي دراسة لحوالي 50 % من المصابين بمرض قلبي يرتبط بمشكلةٍ عميقةٍ في نهج الحياة الذي أدت إلى تأذي النسيج البنيوي لقلوبهم، وليس التدخين أو ارتفاع الضغط الشرياني أو ارتفاع الكولسترول...الخ.
وجد أن هناك عوامل ذات فعل إيجابي يقي من الإصابة بأمراض القلب أو يقلل من احتمال حدوثها، ومنها الفرح، والسعادة، والسلام مع النفس، والحب، والوداعة، وحب الذات واحترامها واستعدادها للمشاركة مع الآخرين.
الدكتور جوزيف كلاس في كتابه "القلب بين الطبيب والأديب"، يقول "بينت أبحاث علم المناعة النفسية والعصبية الحديثة أن الدماغ يولّد جزيئات خاصة تسمى "البيبتيدات العصبية NEUROPEPTIDES" تتفاعل مع كل خلية من خلايا الجسد، بما في ذلك خلايا الجملة المناعية، وأن أي تأثر أو انفعال يولد هذه الجزئيات التي تستقبلها كل الخلايا، وأن الانفعالات بمعناها الحقيقي تماماً، ليست في العقل فحسب، وإنما هي في الجسد أيضاً".
وتبين من دراسة أُجريت على خريجي جامعة هارفرد، أن أكثر الخريجين تشاؤماً كانوا أكثرهم عرضة للإصابة بالمرض، وأن المزاج يمكنه أن يؤثر في نشاط خلايا الجسم المناعية، وهكذا نجد أننا عندما نشعر بالسعادة نكون وظائفياً "فيزيولوجياً" مختلفين عما كنا نشعر بالتعاسة أو الإحباط، قال ابن سينا هذا منذ أكثر من ألف عام.
ويضيف كلاس "مهما يكنْ من أمر الأبحاث العلمية وما كشفته، وما ستكشفه لنا في المستقبل، فإنه من الجلي أن الاتصال بين العقل والجسد، قادرٌ على صنع الفارق بين الصحة والمرض، وأن الصحة توجد في جملة مناعية متوازنة، وأن هذا التوازن نستطيع أن نحييه، أو أن نحافظ عليه باتباع طرقٍ سلوكيةٍ معينةٍ، مثل الصلاة، والتأمل، والتخيل، والاسترخاء، وقد ثبت أن الإيمان من جهة، وحب التواصل مع الآخرين من جهة أخرى ينشطان طاقة الشفاء الذاتية".
ويمضي الدكتور كلاس قائلاً: إن جهاز الإدراك الروحي يسكن بطانة قلبك، فقلبك هو مركز روحك، وهو مركز الحب، فأحبب ذاتك واقبلها، وبح بمشاعرك ولا تكتمها، إن جوهرنا الباطن (روحي) وإن المرض هو حدث عقلي وعاطفي في أوله، ثم لا يلبث أن يتجلى في الجسد، وإن الحب النابع من أعماق القلب، هو القدرة الشافية الأعظم في هذا الكون".
ومن جهة أخرى، وجد علماء الكيمياء الحيوية في معهد الدراسات النفسية، وفق الأستاذ أحمد عوف، "أن بول المحبين به مادةٌ "فينيل إفرين" PHENYL EFRIN التي يفرزها المخ عندما يبلغ العشق أقصى مداه، ولا يفرزها لدى الشخص غير المحب، وأن هذه المادة تشبه مادة آم فيتامين AM FETAMIN في تأثيره كمنبه للأعصاب، وزيادة الشعور بالنشاط والحيوية والفرح".
إن الخطر الأكبر الذي يحدق بالقلوب، يكمن في افتقارها إلى الحب، فالحب ترياقٌ فعال ضد سموم الضغط النفسي، ومضاد للتشنج ويجدد الشباب ويمحو التجاعيد ويشحذ الفكر ويفرح الروح، وهو ليس عاطفة متأججة دافقة فقط، إنها رغبةٌ إنسانيةٌ تحاكي العقل مقنعةً، وتتجه نحو الإرادة، فتدعوها لاتخاذ قرار حكيمٍ.
وفي مثل هذه الحالة من التفتح والوعي، نجد الحب الحقيقي قراراً... لأنك إن أردتَ أن تتخذ قراراً بأنك لا تحب، تزول مشاعر الحب وعواطفه فوراً وتبعاً لهذا القرار.
وعندما أقرر أن أحب، لا يكون المعنى مقتصراً على توفير الطاقة، بل يتعدى هذا ويتجاوزه، معناه في الحقيقة أني قررتُ القبولَ بالآخر، وإحاطة الآخر بأن قرار الحب غير مشروط.
والحب مسؤولية، وتضحية، وإنكارٌ للذات... وتجردٌ عن الأنانية.. والحبُ لذاتِ المحبوب شخصاً وروحاً وعقلاً ونقاءً وانسجاماً.
ولكي تحصل على الحب، ولكي تحتفظ بالحب، يجب أن تعطيه، فعطاء الحب، هو الندى الذي يرطب أوراق شجرة الحب، ليمنحها الطاقة والحياة والحيوية والاستمرار.
والرومانسية تيار معاناة للحب، وإقبال شديد عليه، وتمرس عميق بأحواله وآلامه ولذائذه، بينما الدور الذي تلاها يتسم بالتحليل والتعقل والإيمان بالعلم، والتفكير العلمي، حتى في تناول الحب ومشاكله، ليكون الحب قراراً صادراً عن قناعة وإرادة ورضا.


عبد العزيز الخضراء
باحث وكاتب تربوي

التعليق