علاء الدين أبو زينة

"صبرا، هوية عصرنا"..!

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2016. 11:07 مـساءً

في مثل هذا اليوم قبل 34 عاماً، كانت المذبحة ما تزال مستمرة في يومها الثالث في مخيمي صبرا وشاتيلا، بدءًا من 19 أيلول (سبتمبر) 1982. وكعادة المذابح  في عصرنا، لم يستجب أحد لاستنجاد النساء والشيوخ والأطفال العزل الذين تُركوا وحدهم تماماً أمام سيل من الحقد ورغبة القتل. كان المخيمان مطوقين بحصار محكم من جيش لبنان الجنوبي وجيش الكيان الصهيوني العدواني لإعدام أي محاولة يبذلها الضحايا للفرار بالأرواح من جحيم المذبحة. وقامت قوات الجزار إيلي حبيقة بتنفيذ المجزرة على مهل، بعيداً عن الأضواء وبلا مضايقة، تحت الأنوار الكاشفة التي وفرتها لهم قوات شارون وإيتان بعد أن غادر المقاتلون الفلسطينيون إلى منافٍ جديدة. والآن، مرت كل هذه السنوات وكأنما المذبحة حدثت بالأمس، وما يزال دم الضحايا يستغيث ولا مجيب.
كانت المذبحة في المخيمين هائلة بسبب عدد الضحايا الذين  قتلوا في ثلاثة أيام، والذين قدّرتهم بعض الجهات عند 3500. لكنها في الحقيقة الفلسطينية ليست حادثاً منقطعاً عن سياق متواصل من التعرض للإبادة المنهجية والتشريد. وهي ليست منفصلة في السياق الأوسع عن طائفة هائلة من المذابح التي يشهدها هذا العصر بلا انقطاع في حق المستضعفين في كل مكان. وكان الأساس لكل هذه الفظاعات هو الطمع وخدمة المصالح الضيقة البشعة في السلطة والاستئثار، وكأن الكوكب لا يتسع للجميع. وكانت العربات هي العرق والقومية والدين والطائفة والأيديولوجيا التي استخدِمت –وما تزال- في تبرير القتل وازدراء الآخر. وقد برهن العصر بما لا يحتمل الجدل أن صفة الاستثناء البشرية واغتصاب حصة الآخر ليست مقصورة على دين أو طائفة أو قومية. ويكفي تأمل فكرة بناء دولة "الحرية والديمقراطية" الأميركية و"البيت على التلة" على إبادة الهنود الحمر، وتسببت تلك الإمبراطورية المعتزة بـ"قيمها" بالمذابح في كل مكان. ولا يصعب تعقب مذابح صبرا وشاتيلا وكل المذابح الفلسطينية والعربية تقريباً إلى هناك بالتحديد.
مشكلتنا في هذا العصر، استطراداً لما سبقه، هي أن الإنسانية لا تريد تعلم الدرس البدهي: أن الصراع يخلف الصراع، والقتل يخلف القتل، وأن أحداً لا ينجو في نهاية المطاف: اليوم تكون الجزار وغداً قد تكون الضحية. وعلى سبيل المثال، تعلمت أوروبا بعد حربين دمويتين أن التعايش أفضل، لكنها لم تقصّر في اضطهاد واستعمار شعوب العالم، بحيث عادت الآن إلى اختبار الخوف والريبة والضربة الارتدادية الحتمية، وأصبحت تنسحب إلى القوميات والانفصال وخطر الصراع. وحتى الإمبراطورية الإمبريالية المختبئة خلف البحار البعيدة، أميركا، لم تنجُ من ردة الفعل، وأصبحت تتراجع هي الأخرى عن المكاسب التي حققها مواطنوها في الحريات والتقدم، بذريعة حماية الأمن القومي من ضحايا سياسات القهر الساخطين، ولمصلحة محبي الاستفراد بالسلطة والهرب من المساءلة وإسكات النقد.
بطبيعة الحال، ما يزال العرب آخر من يتعلم الدرس، وأحرص الأوفياء لقاعدة "تعلم من كيسك" وبكلفة الدم. وإذا كانت مذابح العدو الاستعماري الحاقد في فلسطين أو مذابح البريطانيين والفرنسيين تُفهم على أساس الصراع على النفوذ العالمي وأطماع الإمبرياليين، فإن مذبحة صبرا وشاتيلا انفردت بكونها أميز مذبحة من تنفيذ عرب في حق عرب –ولو بدعم صريح من عدو واضح- وارتكبها فصيل يميز نفسه بالدين، تماماً كما يفعل "داعش" وأشباهه في هذه الآونة. واليوم، يمارس العرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والطائفي والاضطهاد الفكري وكتم صوت الآخر وكل أنواع الصراع تحت عشرات العناوين التقسيمية الإقصائية، بحيث تكاد صبرا وشاتيلا تفقد الخصوصية في هذا المحيط الهائل من المذابح.
على خلفية عصر المذابح والقتل على الهوية الذي يحاول أن يفرض نمطه القاهر، لن يكون أي صاحب ضمير معنياً بالاستقطابات الحادة والخطاب الإقصائي. والخطاب لا يختلف في النهاية عن ممارسة القتل الحرفي، لأنه وسيلة التحريض والتبرير وإصدار الحكم. ومع نوع الخطاب الذي بدأنا نشهده هنا، فإننا نتصور أن أحداً ربما يذبح الآخر، حرفياً، لو تسنى له الظرف والأدوات، دون أن ترتجف يده من شدة الحقد. وفي النهاية، لا فرق بين معاملة مواطنيك بهذه العدائية القاتلة وبين إيلي حبيقة وزمرة القتلة في صبرا وشاتيلا.
وفلسطينياً، عيب على  المثكولين والمستهدفين بالمذابح أن يقسموا أنفسهم على أساس أي فئويات، وأن يحملوا هوية العصر الدموية، ويشاركوا في ذبح أنفسهم.

التعليق