حنان كامل الشيخ

صمت سعيد!

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

“يا ربي امنح أمي سعادة لا تشقى بعدها أبدا”..  وقل لها يا ربي “بطريقتك الخاصة” إن نصفيْ الاثنين بخير. أعلم من مكاني هنا الآن، أن نحيبها الممتنع على الثلاثين التي لم تكمل، لا يجوز على أمثالي، أصحاب البشرة السمراء، وبناطيل “الجينز” الزرقاء والسترات المفتوحة على أي احتمال. بالمناسبة، تلك السترة التي ميزت رقدتي على الرصيف، هي نفسها التي تناولتها في اللحظة الأخيرة قبل نزولي من البيت، علني أحتاجها هناك. هنا، لا فرق!
أنا سعيد العمرو، الذي اختلف فريقان على اسمي، وفريقان آخران على سبب رحلتي، وفريقان على سكين أو لا سكين خبأتها تحت قميصي، وفريقان على نيتي إن كانت مبيتة، وكل الفرق سمتني شهيدا، رغما عن أنف الاحتلال!
أنا الشهيد الذي أعلن الصمت الانتخابي مبكرا، قبل ميعاده، حين مر جسدي عبر الجسر، أو هكذا يدعون في الصحافة. فالجسد هناك، أو في “المغير” أو تحت وسادات تنقط دمعا من أطرافها، أو فوق أسطح العمارات بجانب الفرشات وصواني الشاي البارد، أو أمام حارس جامعة كان يستوقفني كل صباح، رغم سترتي الصفراء، أو على سلم المدخنين في الشركة، حيث الأحاديث لا تفرغ ولا تمتلأ، وهناك تحت نافذتها المتجمدة من هول المفاجأة، هو جسدي ذاته سد عين الشمس، و”سم بدن” بعض بياعين احترقت شعاراتهم التحريرية، بماء وجوههم وكسفتهم أمام الحقيقة الأصيلة!
أنا ميت لا محالة في شوارعكم المرصوفة بصور الابتسامات. ميت مع سبق الإصرار في عالم أبله يصدق بأن الصمت الإنتخابي لليلة واحدة، يفرز أصواتا مجلجلة. ميت أمشي على قدمين لثمانية وعشرين “ربيعا”، أقرأ عن العدالة في الكتب السماوية، وقصة المرأة التي كانت تطهو الحجارة لأطفالها الجياع، وفي تغريدات صحفية عن وزراء لا يشبهونني، استقالوا بسبب التهرب من فاتورة!
إنما اليوم أنا حي أرزق، أتنفس ملأ الجسد الآخر ماء رقراقا وعنبر. لن أموت مرة أخرى بينما أرقب النتائج، أو أرصد التجاوزات. فحصانتي ابتسامة لم تفارقني مذ صعدت إلى الهواء، وسترة صفراء كنت التقطتها في اللحظة الأخيرة، وقرآن يصدح من بيوت الكرك إلى السماء، ودعاء أمي الرابض بين وجهها وسجادة الصلاة، واسمي الذي لم أفهم لم أطلقوه علي، إلا الآن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبكيتنا يا حنان (عماد ابو نعمه)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2016.
    لا فُض فوك يا حنان ولا حرمنا الله من قلمك أبكيتنا كما لم نبكي من قبل