وقف إطلاق النار والهجوم على قافلة المساعدات: منحدر جديد في سورية

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً
  • شاحنات مدمرة من قافلة مساعدات إنسانية تعرضت للقصف بغارة في سورية مؤخراً - (أرشيفية)

افتتاحية - (الغارديان) 20/9/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد مشاهدة الكثير جداً من الفظائع، أصبح من الصعب أن يصاب المرء بالصدمة كما ينبغي من ويلات الحرب في سورية. قد يشعر بالروع، نعم. ولكن الشعور بالمفاجأة من الأحداث الجديدة أصبح صعب المنال. أسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر، ما تزال الجرائم في تصاعد. فقد هوجم المدنيون بالأسلحة الكيماوية، وتعلموا الخوف من هدير مروحيات القوات الحكومية التي تحمل قنابل البراميل، ومن "مدافع جهنم" التي يستخدمها المتمردون. وتم استهداف المرافق الطبية مرات ومرات. وأجبرتنا رؤية مشهد جسد علان الكردي المتهدل ووجه عمران دقنيش المغبر الغارق في الذهول أن ندرك مرة أخرى أخرى أنه ليس هناك من هو محمي من هذه الحرب. وليست سورية أول موضع تواجه فيه العائلات المحاصرة احتمال الموت جوعاً، ولكن أمد معاناة هؤلاء المحاصرين أطيل كثيراً. وقد قتلت خمس سنوات من الحرب الأهلية نصف مليون مواطن وشردت العديد من الملايين الآخرين.
وحتى مع ذلك كله، كانت الغارة الجوية التي شُنت يوم الاثنين على قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة، والتي كانت تقوم بإيصال المساعدات الغذائية إلى المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون بالقرب من حلب، هبوطاً آخر بالحرب إلى مستويات جديدة من الانحدار. ولم يكن إيصال المساعدة مجرد مبادرة إنسانية، وإنما كان شيئاً اتفقت عليه جميع الأطراف. وكانت القافلة مميزة بعلامات واضحة، ولديها التصاريح اللازمة، وأخطرت جميع الذين هم في حاجة إلى المعرفة عن طريقها. وبذلك، إذا كان ذلك هجوماً متعمداً -ومن الصعب أن نعتقد خلاف ذلك– فإنه كان جريمة حرب.
قضت القوات الحكومية أشهراً وهي تعرقل إيصال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين وتقوم بتجريد التي تتمكن من العبور من الإمدادات الطبية الأساسية. ويبدو أنه لا يمكن التسامح مع احتمال منح بعض الراحة والغوث للمناطق التي يسيطر عليها المتمردون في نهاية المطاف، مهما بُذل من الوعود. وربما شعر النظام السوري الآن بأنه يتمتع بدرجة ما من الغطاء بسبب وفاة 62 جندياً حكومياً في هجوم جوي أميركي في نهاية الأسبوع الماضي -"عن قصد وبتخطيط مسبق"، كما ادعت الحكومة السورية. ولكن، وقبل كل شيء، يبدو أن النظام السوري يتمتع الآن بشعور بإمكانية الإفلات المطلق من العقاب، حيث ليس لديه شيء أو أحد ليخاف منه. وليس لدى بشار الأسد ولا لدى قواته أي سبب للاعتقاد بأنهم سيخضعون للمحاسبة عن أفعالهم.
وهم لا يتحملون وحدهم كل اللوم. وكما حذر بان كي مون في آخر كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كأمين عام للمنظمة، فإن أيدي الرعاة الأقوياء على كلا الجانبين ملطخة بالدماء. وكان محقاً، أيضاً، في إشاراته إلى البلدان التي تمارس سلطة حق النقض و"تتخذ العالم رهينة في العديد من القضايا المهمة". وقد تأكد دور روسيا في سورية بالإعلان المدهش لوزارة دفاعه أنه ليس هناك أي دليل على وقوع هجوم، وأن القافلة اشتعلت وحدها، ببساطة -حتى لو لم يكن ذلك هو الخط الذي يمكن أن يتبناه وزير خارجيتها في المحادثات مع الولايات المتحدة، والذي لم يعتنقه فعلاً.
بدا أن الهجوم يدق ناقوس الموت لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بألم وبعد عناء، والذي استُقبِل مبدئياً بغير حماس وبتردد فقط كخطوة محتملة للمضي قدماً. لكن اللاعبين الرئيسيين أصروا على أن الاتفاق لم يمت، وإنما أصبح في خطر. أما بعد هجوم يوم الاثنين، فقد أصبح من الصعب التعامل مع أي وقف لإطلاق النار في سورية كشيء حقيقي. ولا يمكن لأحد أن يشعر بالتحمس إزاء المحاولات التي تُبذل لإحيائه. ولن يكون أي أحد حريصاً على اختبار مؤشراته من خلال محاولة تقديم مساعدات أخرى. ولكن، وكما حذر بوريس جونسون يوم الثلاثاء، فإن المفاوضات بين وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، ونظيره الروسي، سيرجي لافروف، هي اللعبة الوحيدة في المدينة. والآن، يستطيع باراك أوباما، الذي تحدث بجرأة ذات مرة عن خطوط حمراء على استخدام الأسلحة الكيميائية، أن يعيد فقط تكرار الدعوات إلى توظيف "الدبلوماسية الصعبة". وبما أن الرئيس أصبح الآن في طريقه إلى الخروج، فقد أصبح للولايات المتحدة تأثير أقل على موسكو في هذه الآونة. ولعل أفضل أمل لها هو أن روسيا ربما تكون أكثر قلقاً بشأن التفاوض مع إدارة أميركية تديريها هيلاري كلينتون.
في غضون ذلك، يستطيع الغرب على الأقل أن يفعل شيئاً لأولئك الناس الذين فروا من الصراع، سواء من خلال دعم البلدان التي قبلت بالغالبية العظمى من اللاجئين، أو من خلال الترحيب بالأفراد في أوروبا. وما يزال سجل بريطانيا في هذا المجال بالذات ضعيفاً للغاية؛ فقد قبلت حتى الآن أقل من 3.000 فقط من أصل 20.000 من اللاجئين السوريين الذين وُعدوا بإعادة توطينهم على مدى السنوات الأربع المقبلة. وفي هذه الأيام، قاومت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، الدعوات إلى تحسين هذا العرض الهزيل.
بالقدر نفسه من الأهمية، ثمة مسألة الالتزام بمحاسبة الحكومة السورية على أفعالها في يوم من الأيام. ويجب أن لا تعتقد هذه الحكومة بأن الترخيص الذي تتمتع به الآن سوف يظل متاحاً بشكل دائم. ويجب أن لا يتمتع أي طرف بالقدرة على شن هجمات مثل هجوم يوم الاثنين بارتياح وكأنه شيء عادي. وقد بدأت لجنة العدالة والمساءلة الدولية بالفعل في جمع المواد عن تصرفات نظام الأسد بهدف التهيئة للملاحقات القضائية المحتملة. وهو جهد يستحق الدعم -ليس لأن السوريين يستحقون العدالة فحسب، وإنما من أجل حماية المدنيين في الصراعات المستقبلية. وإذا لم يكن بالوسع منع ارتكاب جرائم الحرب، فإن مرتكبيها يجب أن ينالوا العقاب على الأقل.

*نشرت هذه الافتتاحية تحت عنوان: Syria, the ceasefire and the aid convoy attack: a new low

التعليق