محمد أبو رمان

في صلب الموضوع!

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 12:10 صباحاً

تضجّ الساحات والشوارع والمنتديات العربية بالنقاشات السياسية عمّا يجري من أهوال وكوارث في كثير من الدول العربية؛ صعود الداعشية، أسئلة السلفية، الانقسامات السياسية والمجتمعية، الخشية على السلم الأهلي، الحروب الداخلية، فتاوى الدم، الصدام العلماني-الإسلامي والشيعي-السني، مستوى المنظومة القيمية والمجتمعية العربية، الدولة المدنية، الدين والديمقراطية... إلخ.
لكنْ قليلا ما نجد في هذه النقاشات تجاوزاً للسجالات السطحية أو المدوّرة، للدخول إلى العمق؛ بتجاوز الآراء الفردية والانطباعات والانحيازات الأيديولوجية والأفكار المعلّبة المسبقة، إلى الحواريات المعرفية والفكرية التي تفكك هذه الموضوعات وتحاول أن تستكشف حقيقتها والوصول إلى تقديم مقاربات للمستقبل.
ثمّة انفصال بين المعرفي والفكري الموضوعي من جهة، والمشاهد الإعلامية والسياسية والمجتمعية من جهةٍ أخرى. لكن في المقابل، هناك إنتاجات معرفية تقع في صلب الموضوع، ويمكن بالفعل أن تفيد كثيراً في ترشيد السجالات الحالية ووضعها على السّكة الصحيحة المفيدة، بدلاً من الدوران حول الذات والصراعات غير المجدية.
في معرض عمان للكتاب ستتوافر مجموعة كتب في هذا المجال. لكن ما يسعني في هذا المقال على الأقل هو ذكر ثلاثة منها، جميعها صادرة عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، في مقدمتها كتاب مهم للمفكر والفيلسوف الأردني فهمي جدعان بعنوان "مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة".
لن أدخل في فصول الكتاب وأفكاره، لكن من الضروري الإشارة هنا إلى أنّ د. جدعان فضلاً عن أنّه أكاديمي بارز، وفيلسوف معروف على صعيد عالمي بإنتاجه المعرفي الرصين، فإنّه يتميز في كتبه الأخيرة بالجرأة في طرح المشكلات والمسائل العالقة والجدلية، والجمع ما بين البحث الأكاديمي المعرفي من جهة والفكر المتعمّق من جهة أخرى، وتقديم رؤى مستقبلية وحلول ممكنة من جهةٍ ثالثة.
في كتابه الأخير "مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة"، يتحدّى جدعان نفسه، ويجدد أفكاره وأطروحاته الفكرية عبر وضعها على محكّ التطورات العربية الحالية المرعبة، وتطويرها لتكون قادرة على إفادة المجتمعات وتحسين شروط المواجهة مع الأمراض الداخلية الموروثة أو الجديدة المرتبطة بالعولمة أو السياسية المتعلقة بالاستبداد والسياسات الخارجية للدول العظمى.
كان جدعان قد نشر في السياق نفسه كتباً عدة تتكامل في طرحها ورؤيتها للموضوع؛ منها "في الخلاص النهائي"، و"الطريق إلى المستقبل"، و"تحرير الإسلام: رسائل في زمن التحولات". وهي جميعاً تمثل حجر أساس صلب لفلسفة وطنية تزاوج بين الإسلام المتحرر العقلاني والعصرانية والليبرالية، ويمكن أن تقدم حلولاً في مواجهة الانقسامات العنيفة الحالية.
أمّا الكتاب الثاني، وقد ذكرته مراراً وتكراراً لأهميته، فهو "الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية" لنادر هاشمي. وهو مترجم اليوم، ومتوافر، ويحاجج فيه الكاتب المقولات والأفكار التي تفترض الصدام الفوري بين الديمقراطية والدين (الإسلام)، ويخصص جزءاً مهماً من الكتاب للمقارنة التاريخية بين التجربة الأوروبية والتجارب العربية المعاصرة في الوصول إلى الديمقراطية والعلمنة، وعلاقة ذلك بالسياسات الدينية وحركة الإصلاح الديني المطلوب، وأزمة العلمانية العربية التي اكتسبت سمعة سيئة لارتباطها بأنظمة دكتاتورية وبالسياسات الغربية أو بالتضاد مع الدين، أو حتى بمحاولة فرضها قسراً على المجتمعات العربية، من دون مرورها بالسياسات الدينية ومرور الدين بها!
أخيراً الكتاب الثالث هو كتابي الجديد "الصراع على السلفية: قراءة في الأيديولوجيا والخلافات وخارطة الانتشار". ويتناول أحد الموضوعات الجدلية في المشهد العربي، وهو التيار السلفي المنتشر والممتد في الساحة العربية.
والكتاب موجّه لأطراف عدة، أبرزها الإعلاميون والسياسيون العرب، الذين يتعاملون مع السلفيات باختزال وسطحية ونظرة قاصرة. فهو محاولة للغوض في التضاريس السلفية التاريخية والجغرافية والفكرية، لتقديم معرفة أكثر عمقاً. والطرف الآخر هم السلفيون أنفسهم؛ لتقديم مرآة أخرى لهم لرؤية أفكارهم من زوايا الديمقراطية والهوية!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"صراع المعايير" (يوسف صافي)

    الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016.
    شرحت واسهبت د. محمد وان جاز لنا التوضيح بداية القاعدة للمنظومة المعرفية المجتمعية في حالة ال لااستقرار؟؟؟ وعوضا عن ترميم روافعها نعيش بمتناقضاتها التي هي سبب فقدان المناعة ؟؟وحتى لانغوص في تعريفاتها وفق منظريها ومع جل احترامنا لجهودهم التي توسّع القاعدة المعرفية وتاخذ بها الى بحر معين من العلوم والإسترشاد لكن قد تعيدنا الى الإختلاف "تبعيا" حيث لكل رؤىة وميل سواء الكاتب واوالقارى يحكمها "الرغائبية " مهما حاول التجرد سعيا لولوج المثالية ؟؟؟ مانحتاجه ناظم منزوع الهوى المصلحي والرغائبي من خلاله نعمل نحو استقرار القاعدة للمنظومة المعرفية المجتمعية ومن ثم ننطلق نحو ترميم ما اصاب روافعها ؟؟؟ولنا من موروثنا الناظم الذي لايحتاج لمطابقة النسيج "حيث كنا خير امة اخرجت للناس" عندما توحدنا متلحفين بتشريع ديننا السمح وغزونا مشارق الأرض ومغاربها "دون تغول اوإكراه"بحضارتنا وتجارتنا وعلومنا بشتى صنوفها التي كانت نواة لعلوم الفلسفة كما الطب وغيرها على مستوى البشرية والتي مازالت الجامعات تنهل من معينها؟؟؟؟؟
  • »مواطن (لا ما عندك مو)

    الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016.
    يعني نفهم من كلامك أنك قاعد تروج للكتب ،
    أين الحيادية !