الواسطة والمحسوبية هما الفساد الأكبر

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 12:08 صباحاً

نعم، ينشغل المديرون الحقيقيون بتحلّي الموظفين بالكفاءة، والحماسة، والالتزام، والإنتاجية العالية، والأفكار الجديدة... لكن كل ذلك قد لا يتحقق لديهم إذا كانوا مفروضين على بعضهم بعضاً بالواسطة والمحسوبية؛ أي باختيار آخرين ذوي نفوذ لهم... في دوائرهم.
المدير القائد يحتل موقعه بالكفاءة والعدالة، ويُعيّن الموظفين في دائرته بالشروط التي تجعلهم موالين لها ومنتمين لدولتها، وعالي الإنتاج والإنتاجية. أما الذين يهبطون على الدائرة بـ"البراشوت"، أو يقفزون إلى قمتها، فإنهم يحدثون فيها هزة أو زلزالاً، يجعل الجميع يهزأون بالواجب أو يشكّون برسالة الدائرة والدولة التي يحدث فيها هذا التطاول على الأصول التي تمتلئ بها القوانين والنظم والتعليمات المتعلقة بالعمل، فيتراجع الولاء والانتماء أو يتبخران. كما لا يشعر الهابطون المفروضون عليها أو المقفَّزون إلى قمتها أنه مرحبٌ بهم من العاملين فيها أو أنهم أنداد لهم؛ مؤهلات وحقوقاً. لكن الأمر ينتهي بطرد الهابطين (أي الإدارة الخبيثة الجديدة) للعمالة الجيدة أو تطفيشها، وبذلك ينشأ ثلاثة غرباء في الوطن الواحد: اثنان في كل دائرة/ وزارة أو شركة حكومية مساهمة عامة، وثالث خارجها، هم المستبعدون من الاختيار والتعيين والعدالة مع أنهم قد يكونون الأكفأ والأنسب للشواغر.
إن التعيين والترفيع والتدوير بالواسطة والمحسوبية لا يُكسب الدائرة أو الدولة ولاء ولا انتماء. كما لا يؤدي إلى التقدم أو الجودة في الإنتاج أو الخدمة. إن المفروضين عليها هم في الحقيقة أشبه بالقراصنة الذين يقتحمون السفينة في عرض البحر ثم يهبطون في جوفها ويحملون ما فيه إلى قواربهم. لن يكون عندهم ولاء للقبطان أو انتماء للسفينة. وعندما تدلهمّ الخطوب وتشتد الأخطار لا يظهرون لأنهم أول من يهربون.
عندما تصبح الواسطة والمحسوبية؛ أي الفساد الإداري، في بلد ما هما القاعدة، والكفاءة والعدالة هما الاستثناء، فإن كل امرئ مضطر إلى اللجوء إليهما؛ أي إلى أن يفسد على الرغم منه، وبذلك يعمّ الفساد ولا يستطيع أحد مهما كان صالحا أو ملتزماً أن ينجو منه. فأنت لا تستطيع أن تسير مستقيماً في طريق معوجة. هَبْ أنك ترغب في السفر إلى مدينة ما فتذهب إلى كراج السفريات، حيث تجد أن الجميع يتزاحمون، فإذا لم تزاحم فإنك قد تقضي النهار كله من دون أن تحصل على فرصة أو تصل. لكن إن وجدت الركاب مصطفين بالدور، فإنك تصطف حسب دورك وتسافر وأنت راضٍ وتصل.
لقد أصبحت الواسطة والمحسوبية؛ أي الفساد الإداري، في كثير من البلدان العربية هما النظام الفعلي الذي يلجأ إليه كل مواطن ويتوقعه كل مسؤول. ويا ويله ويا سواد ليله من ليس له واسطة توصله ومحسوبية تدفعه وترفعه. ومع هذا، يندهش بعض السذج من انفجار "الربيع العربي" أو من "خريف النظم" (كما يسميه الأستاذ خيري منصور) أو من العنف المتفشي في بلدان الواسطة والمحسوبية التي تخرب جميع المؤسسات والأعمال، وتجعل جميع الناس غير راضين بمن فيهم الواصلون بالواسطة والمحسوبية؛ أي بالفساد الإداري، لعلمهم أن من هم أقل كفاءة منهم أو أدنى، تفوقوا عليهم بواسطة أو محسوبية أقوى. ونتيجة لذلك يتراجع الولاء والانتماء عند الجميع، ويشهد الناس البلد ينهار ولا يمدون يد العون إليه. أما السبب فغياب المواد الفعالة اللازمة للولاء والانتماء، وهي الحق والكفاءة والعدل والثقة العمودية والأفقية.
لقد صدق رئيس هيئة مكافحة الفساد عندما قال: إن الواسطة والمحسوبية هما الفساد الأكبر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مطلوب حل (الفرد عصفور)

    الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016.
    تعال شوف التلفزيون الاردني: نموذج حي للواسطة والمحسوبية والترهل والاعداد الهائلة التي صار معدل دوامها يوم او يومان في الاسبوع.