لا يكون أحدكم إنساناً لا يكون...

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:08 صباحاً

لا يكون أحدكم إنساناً.. لا يكون، إذا لم يؤمن بإنسانية مساوية لغيره؛ وإلا كانت إنسانيته ناقصة أو جزئية، وفكره مراهقاً مهما بدا له سامياً، حتى وإن كان كهلاً أو حاملاً أعلى الدرجات الأكاديمية.
المعيار في الفكر هو العمومية أو الشمول (Universality)، فإذا رفع أحد ما فكراً، أو دعا إلى شكل من أشكال الحكم، فإنه يجب عليه أن يسأل نفسه: هل يصلح هذا الفكر أو الشكل من الحكم في بقية البلدان؟ ماذا لو كنتُ هندياً أو أوروبياً أو لاتينياً؟ فإذا لم يصلح سقط.
ومن ذلك –مثلاً- دعوة مفكّر/ين هندوس إلى إقامة دولة دينية هندوسية في الهند، أو مفكرين مسيحيين إلى إقامة دولة كاثوليكية أو بروتستانتية في أوروبا. إن عليه أن يسأل أولاً: هل تصلح هذه الدعوة/ الدولة في بقية البلدان؟ فإذا كان الجواب نعم، فإنه يعني قبول التضحية بحقوق الأقليات فيها لحساب الأكثرية. وإذا كان الجواب لا، فإن الدعوة الصحيحة أن تضمن حقوق الجميع وإن كان المختلف شخصاً واحداً.
يجب في كل مرة يفكر فيها مفكر سياسي قومي أو ديني... البحث عن المشترك أو الجامع بين البشر، وإلا كان فكره -إذا كان من هذه المنطقة- قروسطياً.
لقد تبين -وإلى أجل غير مسمى- أن العقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، وحقوق الإنسان، والمواطنة، والمعرفة (العلم والتكنولوجيا) هي المشترك أو الجامع الذي ينحّي جميع الخلفيات الإضافية للإنسان، ويجوهر إنسانية الإنسان. وبمعنى آخر، فإن على المفكر أن يفكر عالمياً وأن يتصرف محلياً.
وبتطبيق هذه القاعدة على الفكر المخالف، نجد أنه محدود ومراهق ومتعصب وغير لائق بمفكر في هذا العصر، ولا بالهجوم الشخصي على أصحاب الفكر الإنساني بدلاً من نقده. وإذا فعل أحدهم ذلك وسب وشتم ونابز بالألقاب، فإنه يثبت قصر نظره ومراهقته الفكرية (أو القروسطية)، وعجزه عن الاستيعاب، لأنه يغضب ويتعصب عرقاً إذا فُرضت نظم قوموية أو دينوية تنال من حقوق أقلياته في البلاد الأخرى، ناسياً ربما لا شعورياً استغراق فكره الخاص له، وأنه لا يحق له الغضب أبداً ما دام يدعو إلى مثله في بلده، وكما تفعل "طالبان" و"القاعدة" و"داعش" بالضبط الآن.
كل إنسان يؤمن بالعدل والمساواة يجب أن يؤمن بهما في أي مكان ولأي إنسان في العالم. وكان توم بين (1737-1809) يقول: "حيث لا حرية فهناك وطني". ويجب على الإنسان الصحيح العقل اليوم أن يقول: حيث لا عدل ولا مساواة فهناك وطني؛ بمعنى أنه يعتبرهما قضيته. وهو ما دعا إلى مثله محيي الدين بن عربي قبل أكثر من ستة قرون حين قال:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
                     إذا لم يكن دينه إلى ديني داني
أدين بدين الحب أنى توجهت
                        ركائبه فالحب ديني وإيماني
وختاماً أقول:       
لقد أسمعت لو ناديت حياً
                      ولكن لا حياة لمن تنادي
فَهم في ضلالهم يعمهون.

التعليق