د.أحمد جميل عزم

يخلف.. نصرالله.. إلياس خوري

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:06 صباحاً

هل هي مصادفة أن يعتلي منصة جائزة "كتارا" للرواية العربية، في الدوحة، في دورتها الثانية، هذا الأسبوع، ثلاثة روائيين يكتبون فلسطين؟ إلياس خوري عن روايته "أولاد الغيتو"، وابراهيم نصرالله عن روايته "أرواح كليمنجارو"، ويحيى يخلف عن روايته "راكب الريح"، ومعهم أيضاً إيمان حميدان عن روايتها "خمسون غراماً من الجنة"، التي كُتبت من جو الحرب الأهلية اللبنانية، وناصر عراق عن روايته "الأزبكية" وتاريخ مصر.
ثلاثة كُتّاب؛ فلسطينيان بالمولد والروح والفطرة، ولبناني اعتنق فلسطين اعتناقاً بكامل إرادته. ثلاثَتهم رواية تستحق أن تُروى.
تعرفتُ على كتابات يحيى يخلف في العامين 1991/ 1992. كانت هزيمة العرب من دخول صدام حسين الكويت، ومن حرب الثلاثين دولة ضد العراق، قد حاقت بنا. تخرجتُ لتوي من الجامعة، ونعيش حالة انكفاء السياسة بعد الحرب، وكانت 1992/ 1993 بالغة البرودة، وزار الثلج عمّان مراراً، فكانت رواياته كمن يخرجني من الهزيمة السياسية، ويعيدني للبدايات، للستينيات والسبعينيات. وبينما الثلج في الخارج وفي المشهد السياسي، عشتُ مع اللاجئين واللاجئات في مخيمات لبنان، وهم يصطفون لملء الماء من الحنفية العامة، ثم وهم يستدفئون داخل فرن خبز في المخيم، ومع فرّان يموت بسبب البرد، وامرأة تكسر الأعراف والتقاليد قبل أن تسكت جوعها من الخبز الساخن. لكن يخلف استمر ينشر، وعاد يروي قصص اللجوء في مخيمات شمال الأردن، حيث لجأ هو يوماً. وفاجأني مرة بعد أخرى، خصوصاً وهو لا يكتفي أن يسرد قصص اللاجئين، البَشَر، إذ تحدث في روايات لاحقة عن حيوانات أليفة؛ كلاب وقطط وخيول، كانت عزيزة في أرضها، ثم أُهينت، وضلّت، وصمدت، وعانت، وتوحشت في مخيمات اللجوء وحولها. ولم أبلغ حتى الآن سوى نحو منتصف روايته الفائزة، الأخيرة، "راكب الريح"، التي يعود فيها لعمق الزمن العثماني، والانكشاريين، ويافا وقتها، ورساميها، وجوارها.
كنت أتعرف على روايات يخلف، على خلفية موسيقى عمر خيرت. فمع الحرب والهزيمة ونهاية الانتفاضة، صارت الأغنيات من زمن الانتفاضة والثورة، تبدو غريبة، واكتفيت بموسيقى بلا غناء، أعيش الرواية على وقعها. ومن الأغاني التي توقفنا قليلا عن سماعها، أغاني كمال خليل، وفرقة "بلدنا". ونعلم أنّ الشاعر ابراهيم نصرالله كان كاتب الكلمات الأول. كان نصرالله حينها يتجه للرواية، على حساب الشعر التعبوي والنضالي. يذهب للذاكرة. بعد اقتراب السياسة الثورية من الاحتضار. لم نعد نفكر أنّ أغنية "بلدنا" التي كتبها توفيق زياد: "لأني، كل يوم، عرضة لأوامر التوقيف، وبيتي عرضة لزيارة البوليس، والتفتيش، "والتنظيف"، سأحفر كل ما ألقى، وأحفر كل أسراري، على زيتونة، في ساحة الدار"، قد كُتِبَت وغنيت لنا، لجيلنا، لمجموعاتنا. فمع "مدريد" و"أوسلو"، اختلف الأمر، فلُذنا للرواية، وكتبَ نصرالله مجموعة رواياته التي سماها "الملهاة الفلسطينية"، فَلُذنا إلى "طيور الحذر" وسردها مخيم الوحدات، ثم طفل الممحاة. وأيضاً، ولاحقاً، لكن مبكراً، عاد نصرالله لفلسطين القديمة، فلسطين ما قبل المشروع الصهيوني، وكتب "زمن الخيول البيضاء"، التي ربما فتحت باباً في الرواية الفلسطينية.
أمّا إلياس خوري، اللبناني الذي صار فتحاوياً، مقاتلاً، وباحثاً أديباً، في الوقت ذاته، منذ مطلع السبعينيات، فإنه أيضاً مع مطلع التسعينيات، كتب رواية تحكي قصة الثورة، وعنوانها يقارب برد السنة التي ظهرت فيها. ففي العام 1993، نشر "مملكة الغرباء"، عن الشهيد الشاب علي أبو طوق. وإلياس هو الذي اقترح على مركز الأبحاث الفلسطيني جمع قصص النكبة والتشرد لتصدر في كتاب أو رواية، ولم يتحقق المشروع، حتى نشر روايته الملحميّة "باب الشمس"، عن قصص النضال والعشق، العام 1998، لتتلقف صبية من الناصرة الاسم العام 2013، وتقترح على شبان إقامة قرية من الخيام فوق أرض صادرها الاحتلال، غرب أريحا، حيث كانت أقدم مدينة في التاريخ، وسميت "باب الشمس". وبعد ذلك بأشهر، تقام شرق القدس قرية تحدٍ أخرى باسم أبطال الرواية: "أحفاد يونس ونهيل". وأسأل إلياس: لماذا لا تكتب عن قصص الثورة أكثر؟ ويخبرني: ما أزال أعتقد أن النكبة تحتاج أكثر.
أعترف أني لا أنتبه كثيراً للقصة والحبكة، في رواياتهم، بقدر ما يأسرني سرد الحدث اليومي، والصور التي يحافظون عليها من اللجوء والمخيم، بانتظار العودة لزمنٍ تعود فيه الأغنيات الثورية أثناء طريق العودة.

التعليق