عيسى الشعيبي

الفوز في معركة اليونسكو

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:03 مـساءً

لعل أفضل أداة قياس يمكن الاستدلال بها، للوقوف على مدى أهمية القرار الصادر مؤخراً عن "اليونسكو" حول المسجد الأقصى، هي ردة الفعل الإسرائيلية الهستيرية إزاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، التي صوت أعضاؤها بأغلبية ساحقة لصالح مشروع القرار الذي يعتبر المسجد الاقصى مكاناً مقدساً للمسلمين فقط.
إذ جاء هذا القرار الأممي في لحظة تاريخية بالغة الأهمية، بدت فيها الكفّة راجحة بقوة لصالح المخطط الإسرائيلي الجاري تنفيذه على قدم وساق، وكأنه في سباق مع الزمن، لتهويد القدس وتغيير طابعها الحضاري كمدينة عربية إسلامية، وحيث يشكل المسجد الأقصى العقبة الأشد صعوبة أمام "أسرلة" المدينة المقدسة.
وأحسب أنه لولا هذا المسجد الذي كان أول قِبلة للمسلمين، وما يزال ثالث أقدس مساجدهم، لكانت إسرائيل قد تمكنت منذ زمن بعيد، من فرض أمر واقع على "الأقصى"، يشابه الواقع الذي فرضته على المسجد الإبراهيمي في الخليل، المقسّم مكانياً وزمانياً بين المسلمين واليهود، كخطوة تمهيدية متدرجة، لانفراد اليهود به كلياً.
ومع أنه لا تنبغي المبالغة في أهمية هذا القرار الذي لن يقدم أو يؤخر في الواقع القائم في القدس والمسجد الأقصى، إلا أنه ينبغي أيضاً عدم التقليل من مغزى كسب هذه المعركة، التي جرت في الميدان الذي لا تفضل إسرائيل اللعب فيه، لاسيما أن واقعة اليونسكو هذه تعتبر جولة رابحة أخرى في مسلسل المعارك المتواصلة بنجاح لافت، على مسار طويل، بهدف محاصرة إسرائيل وعزلها دولياً.
ذلك أنه بعد أن انتهى الخيار العسكري العربي إلى أجل غير معلوم، وانسدت الدروب أمام الكفاح الفلسطيني المسلح، وبات الوضع شبه ميؤوس منه، لم يعد متاحاً أمامنا جميعاً غير العمل على مواجهة إسرائيل دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسب جزئية متفرقة، يؤدي تراكمها على المديين المتوسط والبعيد، إلى تحولها لمكاسب نوعية، من شأنها تعديل ميزان الصراع شديد الاختلال.
ويزيد من أهمية هذا القرار الذي لم تصوّت ضده سوى ست دول، أنه كان خلاصة جهد عربي، تم العمل عليه في إطار اتصالات صامتة، مرتكزة إلى موقف أردني فلسطيني مشترك، الأمر الذي أثمر قرار رد الاعتبار لمفهوم العمل العربي المنسق، ذلك المفهوم الذي كلما ابتعد عنه العرب، خسروا المواجهات القابلة للربح.
ومن غير المحتمل أن تتوقف إسرائيل عن مخططها الجهنمي لتهويد القدس، أو تقسيم المسجد الأقصى، بمجرد صدور هذا القرار الذي لا قيمة له من وجهة نظر من لا يعرفون غير لعبة القوة العسكرية المجردة. غير أنه، في المقابل، كان قراراً يدل دلالة واضحة على أن الخيار الدبلوماسي القانوني والأخلاقي خيار ناجح، يمكن البناء عليه في المستقبل.
وليست هذه المرة الأولى التي يفوز فيها الفلسطينيون والعرب في الميدان الدبلوماسي أو الحقوقي، لاسيما في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنظماتها المتخصصة، بل وأحياناً في مجلس الأمن الدولي. ولن تكون هذه المرة الأخيرة التي تخسر فيها آخر دولة احتلال في العالم معركة من هذا النوع، يطلق عليه نتنياهو اسم " الإرهاب الدبلوماسي".
وفي الذاكرة الغضة بعد، حقيقة أن الشعب الفلسطيني سجل أول انتصار سياسي ومعنوي كبير له، حين استخدم سلاح الحجارة خلال الانتفاضة الأولى العام 1987، أي عندما تجنب الدخول في لعبة القوة العسكرية. وهذا الشعب نفسه خسر خسارة فادحة عندما انجرّ إلى لعبة القوة التي تتفوق فيها إسرائيل في العديد والعدة.
وتصلح معركة المقاطعة ضد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وما تحققه من نجاحات في أوروبا على وجه الخصوص، ولدى الرأي العام الغربي، كنموذج يمكن الاقتداء به ومحاكاته في مجال استخدام القوة الناعمة، بعد أن أثبت هذا السلاح الذي لا تراق فيه نقطة دم واحدة، نجاعة أدهشت القائمين عليه، وفاقت كل الرهانات المعلقة عليه في البداية.
هكذا، يبدو الفوز في ساحة اليونسكو مؤخراً، إضافة نوعية للمكتسبات الدبلوماسية المتحققة تباعاً، فوزاً يستحق الحفاوة به بتواضع جم، ومواصلة البناء عليه في ساحات أخرى مماثلة، خصوصاً في المحكمة الجنائية الدولية، وفي غيرها من ساحات المقاومة السياسية والدبلوماسية.

التعليق