علاء الدين أبو زينة

هويتنا الحضارية والدولة المدنية

تم نشره في الأحد 30 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:07 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 30 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 01:55 صباحاً

سمعت عن سيدة تنشط في إعطاء دروس في الدين، وتعلن حرصها على امتلاك سيارة معينة من مركبات الدفع الرباعي أميركية الصنع، وليس في منزلها جهاز تلفزيون. وسألت معارفها عن أولادها، كيف يفعلون وهم محرومون من التلفاز في القرن الحادي والعشرين، فقيل لي: تعودوا. ولم أفهم كيف يمكن لطفل أن يعتاد اختلافه عن بقية خلق الله، في شأن مثل الموقف من التلفزيون. وقلت إنني أتصور أن هذه السيدة تفوّت نقطة أساسية: لو أن الحضارة العربية الإسلامية، بصفاتها الأصلية التي نتفاخر بها، واصلت ما بدأته، فربما كان المسلمون هم الذين سيخترعون التلفزيون أولاً.
تعيد هذه الحالة مظهر الانتقائية المليئة بالمغالطات عند بعض الذين يتحدثون عن "العودة إلى الأصول". وقد علق الكثيرون هنا وفي العالم، مثلاً، على "الخليفة" أبوبكر البغدادي الذي حاول في أول ظهور له تقمص شكل مسلم القرون الوسطى، كما تخيله، لكنه وضع في معصمه ساعة فاخرة ليست من العصور الوسطى، ويستخدم هو وجماعته سيارات صنعها "الكفار" ويستخدمون أسلحة صنعها "الكفار" أيضاً، ويتعالجون بأدوية وأدوات صنعها "الكفار". وكان الأولى، حسب "الأصول" أن يستخدموا الخيول ويحاربوا بالسيوف ويتعالجوا بالكيّ. لكنهم يستخدمون السيوف لقطع الأيدي والرؤوس، ويعرفون أنها لا تنفع في المعارك.
من أهم "الأصول" في تجربتنا كمسلمين، أن أجدادنا صنعوا حضارة نحاول اجترارها والتغني بها ليلاً ونهاراً لمحاولة الظهور بمظهر الصلاحية للعيش في العالم. وعندما نتحدث عن أنفسنا كأبناء حضارة، فإننا نتحدث عن عمل الدولة المدنية بالتحديد، التي بدأ بناؤها على قدم وساق بُعيد التجليات الأولى لحضور الإسلام في العالم. وعندما يريد أحد أن يتحدث عن تميّز الإسلام، فإنه يتحدث عن استكماله الجزء العقائدي بتنظيم الجزء العملي والدنيوي المهم في حياة الأفراد، مثل تعريف التعاملات المعاملات، وحث الناس على العلم العمل والإنتاج الدنيوي.
لا يوجد تعارض أساسي بين كون المرء منتمياً إلى عقيدة دينية وبين انتمائه إلى حضارة. والحضارة، كما تعرفها المعاجم، هي "الحالة المتقدمة للمجتمع البشري، التي تم الوصول فيها إلى مستوى عالٍ من الثقافة والعلم والصناعة والحُكم". والحضارة هي "مستوى عالٍ نسبياً من التقدم الثقافي والتقني خاصة؛ والاحتفاظ بسجلات مكتوبة عن مرحلة التطور الثقافي. والحضارة: هي الشخصية الثقافية لأمة في زمان ومكان مخصوصين". والحضارة هي "الناس والأمم الذين وصلوا إلى هذه الحالة من التقدم". ويُعرف التحضر بأنه "عمل أو عملية الخروج من حالة البدائية والهمجية والجهل والحالة غير المهذبة في اتجاه التحضر".
وهكذا، لا بد أن تكون كل عمليات الحضارة وعناصرها، من الثقافة والعلم والصناعة والتكنولوجيا والحكم إلى التحضر، عملاً دنيوياً تُعنى بإنجازه الدولة المدنية. ولذلك، نتحدث عن حضارة الإسلام بدءاً بإنشاء الدواوين (الدوائر والمؤسسات التي تدير الشؤون الدنيوية) ثم ازدهار المدارس والجامعات والمناهج العلمية، وترجمة العلوم والفلسفة والتاريخ، وتنظيم القوانين والتزام الناس بها. وفي نتائج هذه العملية الحضارية، نتحدث في حالتنا عن ابتكار علم الجبر، واكتشاف الصفر، ومنجزات الطب والهندسة والعمارة، وبناء المدن والحواضر، والتقدم العسكري في جملة التقدم، والتفاعل مع الفكر الإنساني وعقلنة العالم... وهكذا.
يعرّفون الدولة المدنية، قانونياً، بأنها "اتحاد الأفراد في المجتمع المدني في ظل نظام من القوانين والمحاكم الجزئية، أو السلطات القضائية، المكلفة بإدارة القوانين. وهذا هو القانون الأساسي للدولة المدنية التي لا يجوز لأي عضو فيها أن يقوم بأي أعمال ثأرية على انتهاك لحقوقه، من طرف شخص آخر، وإنما يلتمس السلطات الدستورية لهذا الغرض في كل الحالات التي يكون ممكناً فيها قيامه بذلك. وبذلك يمكن اعتبار أن المواطنين يعيشون تحت حماية القانون".
بذلك، يكون مفهوم "حكم القانون" هو أساس الدولة المدنية. فأين قد يعارض هذا مع الدين؟ بل إن الدولة المدنية هي التي تكفل لكل أتباع الأديان ممارسة عباداتهم وشعائرهم بموجب الحرية التي يكفلها القانون –إذا لم يكن في الممارسة اعتداء على حرية بقية أطراف العقد الاجتماعي. لذلك احتفظت "أصول" الحضارة الإسلامية بمختلف أصحاب العقائد ودمجت مختلف الأعراق والطوائف، وأشركتهم في صناعة المشروع الحضاري تحت حماية القانون، دون أن تبيد أحداً. عن تلك الأجواء الإبداعية الأصلية التي كان يمكن أن يخترع التلفاز، يقول معظمنا: "كان أبي".

التعليق