كيف نشجع الصادرات الوطنية؟

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:00 صباحاً

د. جمال الحمصي

قرأت باهتمام مقال  الدكتور عمر الرزاز مؤخراً حول "التصدير التصدير" والذي أوضح فيه الكاتب أهمية تشجيع الصادرات الاردنية، السلعية منها والخدمية، بعد الاغلاق الجزئي لمنافذ أسواق مجاورة مهمة. وقد ركز المقال على التطورات الحاصلة - والمخيبة للآمال حتى الآن- في نشاط التصدير الى أوروبا في ظل مبادرة تبسيط قواعد المنشأ، مقترحاً العديد من الأفكار الوجيهة لتحسين أداء "تحرير التجارة" مع الاتحاد الاوروبي.
وفي الواقع، ينسجم التوجه الاستراتيجي لمقال  الرزاز مع مقترحات مقال للكاتب عنونته "مستجدات النمو الاقتصادي ومحركاته الأساسية" قبل عام تقريباً، أكدت فيه على ضرورة اقتحام أسواق غير تقليدية، وعلى دور السياسة الصناعية والزراعية الوطنية في انجاز هذا الهدف.
ودون التقليل من أهمية بعض الخدمات القابلة للمتاجرة الاقليمية كالسياحة العلاجية والتي تأثرت مؤخراً كذلك، فان تنويع وتشجيع الصادرات الوطنية يتطلب أساساً تطوير التنافسية الدولية للمنشآت الاردنية في قطاعي الصناعة والزراعة ومساعدتها على اقتحام منتجات جديدة غير تقليدية وأسواق واعدة بعيدة. هذا لا يتناقض بالطبع مع أهمية تعميق العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول الخليج التي ما زالت صادرات الاردن تتدفق لأسواقها بمعدلات عالية.
وبالرغم مما حققته الصادرات السلعية الأردنية من انجازات في مجال تطوير الميزة النسبية وتنويع المنتجات في صناعات ريادية مثل الأسمدة والأدوية والمكيفات والحلي والمجوهرات والألبسة وبعض المنتجات الغذائية، فان المنشآت الصناعية والزراعية المحلية لا زالت تركز على السوق المحلية أو التصدير للأسواق الاقليمية المجاورة وتجاهلت بصورة كبيرة الأسواق العالمية الكبيرة.
بداية لا بد من التنويه بأن التحيز للأسواق المحلية والاقليمية هو أمر طبيعي في مختلف دول العالم، خصوصاً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، في ظل معوق التكاليف الثابتة للتصدير والمعوقات الفنية والتنظيمية للتجارة الدولية ومصاريف الشحن العالية وندرة المعلومات حول طلب وأذواق المستهلك الأجنبي.  لكن هذا التحيز الطبيعي مضر للاقتصادات الصغيرة ذات البيئة الاقليمية غير المواتية وذات القاعدة التصديرية غير المتنوعة. فهذا التجاهل للأسواق العالمية -الاوروبية والأميركية تحديداً- يعكس ضعفاً نسبياً في التنافسية الصناعية من منظور الجودة والسعر والسوق المستهدف، ويعكس أيضاً ضعفاً في نظم معلومات التصدير وتنافسية نظم الشحن والنقل.
السؤال الأساسي هو كيف نخفف من هذا التحيز نحو السوق المحلي والاقليمي ونشجع المنشآت الانتاجية الاردنية، خصوصاً تلك الريادية متوسطة الحجم، على الجرأة للنفاذ الى أسواق كبيرة بعيدة؟ هل معوقات التصدير الأساسية Binding Constraints  تتركز في الاطار المؤسسي المسؤول عن تنفيذ البرامج والسياسات التصديرية، أم في الاطار الحافزي المتمثل في الحوافز المالية والضرائب، أم في اطار السياسات الصناعية والزراعية، أم في الاطار التشريعي؟ أم مزيج مرجح من هذه المعوقات كما هو أكثر احتمالاً.
للأسف، يعاني الاطار الحكومي المؤسسي المسؤول عن تشجيع وتنويع وتطوير تنافسية الصادرات الوطنية من ضعف وتشتت عملي فيما بين هيئة الاستثمار الأردنية والمؤسسة الاردنية لتطوير المشاريع ووزارة الصناعة والتجارة ومؤسسات أخرى. وفي الواقع، من غير المفسر وجود هيئة مستقلة لتشجيع السياحة هي "هيئة تنشيط السياحة الاردنية"، وليس لدينا اطاراً مؤسسياً موحداً وفعالاً لتنشيط الصادرات الاردنية عموماً.
واذا كان التخوف من قواعد منظمة التجارة العالمية هو العذر، فهذا ينطبق على جوانب معينة من الدعم التصديري والممنوح للمنشآت الكبيرة بصورة رئيسية، ولا ينطبق بالضرورة على فترة ما بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية ولا في ظل ظروف اقليمية استثنائية وغير طبيعية. وعليه، أقترح ان يتم تأسيس هيئة مركزية لتشجيع الصادرات بالشراكة مع القطاع الخاص تتبنى ملف الصادرات الوطنية بشقيها السلعية والخدمية من مختلف أبعاده الاستراتيجية والتمويلية والتسويقية والترويجية والفنية والقانونية والتدريبية.
ويتوقع من هذه الهيئة متابعة تنفيذ "الاستراتيجية الوطنية للتصدير" وتحديثها الدوري، وتطوير الخدمات اللوجستية للصادرات الصناعية والزراعية والخدمية، وتشجيع تأسيس شركات خاصة لبحوث التسويق الدولي وشركات أخرى للشحن الجوي، بما فيها خدمات النقل المبرد للخضار والفواكه، لكل من أميركا وكندا من ناحية، والاتحاد الاوروبي من ناحية ثانية.  هذا سيفيد تماماً الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة وأيضاً المشاريع الزراعية التصديرية الريادية التي لا تملك المعرفة ولا الموارد اللازمة للتوسع والمخاطرة بعيداً، وبالتالي هنا تبرز أهمية دعم وتأسيس مؤسسات خاصة ومتخصصة لدعم الصادرات في المجالات اللوجستية والاستشارات والوساطة التصديرية، وهو ما يعرف أحياناً ببيوت التصدير Export Houses.

التعليق