MBCs 2016 ..MBC 1991

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:03 صباحاً

احتفلت قنوات MBC هذا العام بمرور 25 عاما على تأسيسها في لندن (مقرها الآن في دبي)، كما احتفلت "الجزيرة" بمرور 20 عاما على تأسيسها. وإذ توجد الكثير من الأمور التي تحتاج البحث في مسيرة القنوات الفضائية العربية، وأثرها السياسي والاجتماعي، إلا أنّ موضوعين يحتاجان لتوقف خاص، لأنهما يلخصان كثيرا من سيرة الفضائيات العربية، وهما تحول القناتين لتتكاثرا، وتصبحا سلسلة قنوات، وهناك معنى سياسي لذلك. وثانيا، تراجع "ثورية" المحطتين (الشبكتين) من ناحية علاقة المجتمع بالتكنولوجيا.
كانت الفضائية المصرية هي أولى الفضائيات العربية انطلاقا من الناحية الزمنية، العام 1991، تلتها "مركز تلفزيون الشرق الأوسط" (MBC). لم تنجح الأولى في قيادة المشهد الإعلامي العربي، خصوصاً أنها لم تستهدف ذلك، فلم يكن العرب هدفها، وكان الجمهور المستهدف للقناة هو الجنود المصريون المقاتلون في العراق، والمصريون العاملون في الخارج. أمّا MBC، فكانت تعتبر نوعاً من الثورة الإعلامية، لأسباب منها أنّها، أولا، وكما يدل اسمها، لكل العرب، بل للشرق الأوسط؛ ولأنها مملوكة من القطاع الخاص، وتبث من لندن، فهي بعيدة عن القبضة الرسمية الحكومية وعن الرقابة المجتمعية المباشرة. ثم تكاثرت الفضائيات، وكان العام 1996 ذا أهمية خاصة، إذ أطلقت ثلاث محطات لها خصوصيتها. اثنتان لبنانيتان، هما المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBC)، و"المستقبل"، والثالثة هي "الجزيرة".
كانت هذه الفضائيات، ولأسباب مالية وجماهيرية، مضطرة لتقديم خطاب عربي جامع يستهدف الجمهور العربي الموحد، لأن السعي لأكبر جمهور ممكن، يتطلب تقديم خطاب جامع، وسقف حرية أعلى، ولا شك أن قضايا مثل فلسطين والعراق قضايا تهم قطاعا واسعا مشتركا من العرب. وهكذا صار هناك نوع من العقل العربي الجمعي اليومي، وحتى قناة مثل LBC التي هي في الأصل جناح لمليشيات القوات اللبنانية اليمينية، خففت كثيرا من خطابها السياسي الانعزالي بهدف اجتذاب الجمهور الساعي للترفيه.
قربت الفضائيات العربية اللهجات من بعضها، إذ اطلع العرب على لهجات بعضهم، وصارت القنوات تحرص على العربية الفصحى أو لهجات مبسطة مشتركة. وظهرت المسلسلات الدرامية العربية التي تستقطب فنانين من جنسيات مختلفة، وتتحدث عن علاقة الجنسيات ببعضها. وكل هذا مثّل نوعا من الوحدة، تعود بعض أسبابها لأسباب مالية، أي بهدف اجتذاب أكبر قدر ممكن من الربح، من أوسع جمهور ممكن (كما في حالة MBC)، أو استقطاب أكبر جمهور، حتى لو لم يكن الربح المالي هو الهدف (كما "الجزيرة").
هذا الأمر لم يستمر طويلا، فسرعان ما تكاثرت الفضائيات العربية، مع تراجع تكلفة إطلاقها. وفي العام 2015، كانت هناك 1349 قناة، بحسب سجلات اتحاد الإذاعات العربية. وأصبحت الفضائيات أداة تشظي، تقسم الجمهور؛ لا بحسب البلدان وحسب، بل وإلى طوائف وقبائل، أو تقسم الجمهور بحسب مزاجه ورغباته (رياضة، أفلام، أطفال، أغاني، تسوق... إلخ). وبحسب دراسة مستقلة، نشرتها جامعة "نورثويست" في قطر، كان في العام 2014، هناك 75 قناة دينية، (55 سنية، و11 شيعية، و9 مسيحية). وبحسب اتحاد الإذاعات، وصل عدد القنوات الدينية العام 2015 إلى 99 قناة (الرياضة 170، والدراما 152، والأغاني 124).
حتى MBC و"الجزيرة" صار لديهما قنوات متخصصة، سواء بقطاعات معينة، مثل الأطفال والرياضة والوثائقيات والأفلام، أو أنتجتا قنوات خاصة ببلدان عربية دون غيرها، مثل مصر والعراق. ولعل واحدا من الأهداف هو مخاطبة الشأن المحلي في هذه البلدان، بعد أن ملّ المواطن العربي من القضايا القومية العامة، وأصبح يفكر بقضاياه الخاصة اليومية، خصوصاً بعد "الربيع العربي"، واستهداف سوق تلك الدول الإعلاني الخاص.
إلى ذلك من ناحية التكنولوجيا، مَثَّلَ ظهور هذه القنوات نوعاً من الثورة لأنها تصل كل مكان. لكن ككل اختراع يفقد بريقه بعد قليل، ويصبح أمرا معتادا، ويأتي اختراع جديد يفوقه، أو ينافسه جاذبيةً (جاء الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي)، فقدت الفضائيات هذه "الثورية".
هكذا، مع "تفريع" القنوات وظهور منافسين، ذهب البعد الوحدوي وظهر التشظي (غير المقصود غالبا)، كما فقدت الفضائيات جزءا كبيرا من قوتها لصالح شبكات التواصل الاجتماعي.

التعليق