الدين الصحيح والمذهب الصحيح؟

تم نشره في الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:08 صباحاً

عانى الناس في الماضي، في جميع العصور والأمكنة، وما يزالون إلى هذه الساعة، من مقولة الدين الصحيح أو المذهب الصحيح؛ بمعنى ادعاء أصحاب كل دين أن دينهم أو مذهبهم فقط هو الصحيح، سواء أكان سماوياً أم أرضياً. وينطبق الإشكال نفسه على الأيديولوجيات، مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية.
وعندما تحلل هذا الادعاء الدائم بامتلاك الحقيقة المطلقة، تجد أنه غير صحيح إلا عند أهله؛ لأن كل واحد منها منقسم إلى مذاهب يدّعى أصحاب كل منها أن مذهبه فقط هو الصحيح، لدرجة فرضها على أصحاب بقية المذاهب داخل الدين نفسه بالقوة والدم، ما دام لا يؤمن بالحق في الاختلاف والتعايش أو العيش المشترك معه.
لم نعلم يوماً وإلى الآن، أي في القرن الحادي والعشرين، عن حدوث انتقال جماعي من أي فريق إلى حضن الفريق الآخر داخل الدين الواحد، لاقتناعه بمذهبه. لم تصل الأديان والمذاهب إلى حقيقة دينية واحدة أو مشتركة، بل العكس؛ وقعت حروب طويلة دامية بينها رسّخت الخلاف والتباين.
ولا ينتهي الأمر عند ذلك، فالأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستنتية في المسيحية، منقسمة أيضاً إلى مذاهب فرعية يدّعي كل منها أنه الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو البروتستنتية الصحيحة فقط. وكذلك ينقسم السنة بين جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير (وسواهما) اللذين لا يطيق الواحد منهما الآخر فكرا ومسلكاً. كما ينقسم الشيعة إلى إمامية وعلوية وزيدية... يدعي كل منها أن مذهبه الشيعي هو الصحيح فقط.
ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن الصراع بين الأديان وبين المذاهب داخل كل منها، دليل قاطع عليه، ولتسوية هذا الصراع طريقان لا ثالث لهما:
- طريق القوة أو العنف لتصفية الفريق الآخر واحتكار الحقيقة والسلطة والموارد. وقد أثبت التاريخ فشل هذه الطريق. بل بالعكس، زادت من تعصب كل فريق لحقيقة دينه أو مذهبه، وذهبت حياة الذي ضحوا من أجلهما هباء منثوراً.
- طريق الاعتراف والاحترام المتبادل والتعايش أو العيش السلمي الدائم المشترك بين الأديان، وبين المذاهب داخل كل دين، وحل المشكلات بينها بالحوار والديمقراطية. لكن ذلك (قد) لا يكون من دون اعتماد المدنية أو العلمانية، "لضمان" تمتع أصحاب كل دين وكل مذهب بحريتهم الدينية والمذهبية بسلام وأمان. وللأسف، ما يزال يوجد من يصرّ على استخدام القوة والعنف اللذين استخدمهما الآباء والأجداد لاستئصال الآخر المختلف أو المخالف من دون جدوى. وعندما يصر أصحاب كل دين أو مذهب على ذلك فإنهم يستدرجون الآخر للرد بالمثل.
بعبارة أخرى: لم يتعلم الأبناء والأحفاد من الماضي والتاريخ. وقد قيل: إن من لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه بتكراره. وقيل أيضاً: إنهم يرسبون فيه. أليس هذا الكلام واضحاً لدرجة البداهة؟
إنني في حيرة من هذا الأمر، لأنه يحدث في أغنى العقود في التاريخ علماً وثقافة ومعرفة، لكن الأبناء والأحفاد يتصرفون وكأنهم في العصر الحجري.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نفس الفكر للأسف (محمد سالم)

    الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    تعليق الأخ تيسير يبقى ضمن الخط الذي انتقده الكاتب وهو احتكار الصواب لما يعتقد. كان من الأفضل بالنسبة لبلدنا الأردن أن نفخر بأننا لم ننزلق إلى ما انزلق إليه إخواننا في الدول المجاورة وكنا وما زلنا نعيش (ولا أقول نتعايش) مع كل الأديان والطوائف مهما كانت النسبه المئوية لحضور أي منها في مجتمعنا المسالم المتقبل للآخر
  • »اتبع أكثر من 96% من الأردنيين النسخة الأحدث من الدين السماوي عبر 14 قرناً بدون إكراه (تيسير خرما)

    الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    الأردن أقرب قطر مسلم لحكم راشد فقد نشأ على عقد اجتماعي مستند لشرعية مبايعة وكرامة وحرية وعدالة وانتماء غير منقطع للعالم الحر وقيم إنسانية رغم ظروف دول شقيقة مجاورة واتبع أكثر من 96% من الأردنيين أحدث نسخة للدين السماوي عبر 14 قرناً بدون إكراه أو استعجال، بل وحافظوا على أمن أقليات وأعراضهم وأموالهم ولن يتم إكراه أي منهم أو استعجاله لإعتماد نسخة أحدث للدين السماوي حتى لو استغرق 14 قرناً أخرى. وبقي الأردن ضمن تيار أهل السنة والجماعة يحفظ أصل الدين الذي يشكل اكثر من 90% من ملياري مسلم حول العالم.