مراد وهبة: عندما يغيب العقل يغيب التطور

تم نشره في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • مراد وهبة (يمين) وأحمد ماضي في منتدى عبدالحميد شومان أول من أمس - (الغد)

عمان – أكد أستاذ الفلسفة، المفكر العربي د.مراد وهبة، أن الثورات العربية الحديثة، أو ما اصطلح على تسميتها "ثورات الربيع العربي"، فشلت، لأنها لم تكن على وعي بأبعاد الوضع القادم، كون تفجير هذا الوعي هو من شأن الفلاسفة، فهم "الملهمون الحقيقيون للانتقال من الوضع القائم المأزوم إلى الوضع القادم"، كما هو الحال فى الثورات الانجليزية والفرنسية والأميركية.
وأضاف وهبة، خلال محاضرة له في منتدى عبدالحميد شومان أول من أمس، بعنوان "ما حال الفلسفة في الوطن العربي؟"، قدمه فيها وأدار الحوار، أستاذ الفلسفة د.أحمد ماضي، أن ثمة صراعا دائما بين مصطلحين، هما: الوضع القائم والوضع القادم، لافتا إلى أن "الوضع القادم مرادف للرؤية المستقبلية، وهو لا يُستدعى إلا إذا دخل الوضع القائم فى أزمة لا تسمح له بمواصلة المسار".
وقال وهبة، أمام حضور ناهز الثلاثمائة، إن المبرر لقيام "ثورات الربيع العربي كان وضع الأنظمة السياسية القائمة فى الوطن العربي، والتى دخلت فى أزمة لم تستطع رفع التناقض الكامن فيها"، والمتمثل في "التناقض بين حرمان الشباب من تطلعاته المشروعة وهيمنة الأصوليات الدينية مع الرأسمالية الطفيلية فى العمل معا على إبطال إعمال العقل". وأكد أنه "عندما يغيب العقل يغيب التطور للأفضل".
وبين أن ثورة الشباب كانت مبدعة فى تدميرها للوضع القائم المأزوم، وكان إبداعها كامن فى أنها استطاعت أن تحدث تغييراً فى استخدام الوسائل الإلكترونية من "وسيلة للنميمة إلى وسيلة لتغيير الوضع القائم المأزوم بعيداً عن مراقبة مؤسسات الدولة وقبضة الأحزاب التقليدية"، ما أدى من تدمير ذلك الوضع.
غير أن وهبة أشّر بوضوح على غياب الفلاسفة عن تلك الثورات، وما سبقها وما تلاها، متسائلا، في الوقت نفسه، عن سبب خلو الوطن العربي من الفلاسفة.
وبين أن الشرط المطلوب لكي تكون فيلسوفاً هو"إعمال العقل الناقد فى الموروث أيا كان، مع تحمل النتائج المترتبة على ممارسة هذا الشرط".واستعرض ممارسات الفلاسفة منذ فيثاغورس في القرن السادس قبل الميلاد، وحتى ابن رشد في القرن الثاني عشر، وكيف أنهم لجأوا إلى نقد الموروث، وتحملوا نتائج أبحاثهم الفكرية تلك.
واشار إلى أن ابن رشد تنبه إلى أن تكفير الفلاسفة المسلمين على النحو الذى ارتآه الغزالي "أحدث تأثيراً جذرياً فى ذهنية مفكري المشرق العربي، فخشي من امتداد هذا التأثير على ذهنية مفكري المغرب الغربي"، ليؤلفثلاثة كتب ضد الغزالي، هي "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" و"الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة" و"تهافت التهافت".
واستعرض المحاضر الأفكار المحورية للكتب الثلاثة، فالأول ركز على التأويل والإجماع، والثاني تتمة للأول، وركز على مصدر التأويل، وعضوية علاقة التأويل بمقصد الشريعة، ما يؤدي إلى أن يكون مغزى الكتابين السابقين هو "مشروعية الفلسفة شرعا" فى مواجهة كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي الذى كفر الفلاسفة المسلمين. أما الفكرة المركزية في "تهافت التهافت"، فهي "الدفاع عن العقل الذي هو أساس التأويل الحق".
وبين أن ابن تيمية الذي جاء في القرن الثالث عشر، "تفرغ لإبطال إعمال العقل"، وذلك فى كتابه "درء التعارض بين العقل والنقل"، مستعيرا من أرسطو مصطلح "الحس المشترك"، لتقديم رؤية أن السمع هو فوق العقل، وأنه مجموع الحواس. واستعرض المقولات التي أسس لها ابن تيمية، والتي أسهمت في إبطال إعمال العقل، وتراجع أهميته في الحضارة العربية الإسلامية.
وفي القرن العشرين، ألقى المفكر الضوء على مجموعة من المفكرين، وهم: عبدالرحمن بدوي، زكي نجيب محمود، وعلي سامي النشار، وكيف أن بدوي لم يفِ بوعده بتأسيس منطقه الجديد، مرجحا أن سبب ذلك "مردود إلى وجود مناخ إرهابي تمثل فى مصادرة كتاب الشيخ على عبد الرازق "الاسلام وأصول الحكم" ومصادرة كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين".
كما لفت إلى كتاب "خرافة الميتافزيقا" لزكي نجيب محمود، والذي تغير اسمه إلى "موقف من الميتافزيقا"، وانشغاله بالرد على متهميه بالخروج من الدين. أما علي سامي النشار، فقد كان على وعي بالتهديد بالتكفير فامتنع عن التفلسف في كتابه المعنون "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام".
واستعرض وهبة نشأت "الرشدية اللاتينية" فى القرن الثالث عشر، وحركة ترجمة مؤلفات ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية بعد أقل من عشرين عاما من موت ابن رشد، لينشأ بعدها مباشرة تيار أطلق عليه "تيار الرشدية اللاتينية" فى جامعات فرنسا وإيطاليا، مستندين فيها على السؤال الذى أثاره ابن رشد، والذي بات موضع اهتمام منهم، وهو "هل التفلسف عقليا مشروع؟".
وخلص إلى أن فلسفة ابن رشد كانت موضع صراع بين التنوير وأعداء التنوير، لافتا إلى أنه ليس هناك تيار في العالم الإسلامي يمكن أن يطلق عليه "الرشدية العربية"، رادا ذلك إلى الأثر الكبير الذي أحدثه ابن تيمية، وتقييده لإعمال العقل منذ القرن الثالث عشر. وأضاف "من هنا يمكن القول إن العالم الإسلامي الآن يعيش في ذلك القرن، أما أوروبا فتعيش في القرن الحادي والعشرين، وهذه هي مفارقة ابن رشد: إنه حي في الغرب ميت في الشرق". 
وانتقد وهبة ما ذهب إليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في أن نكبة ابن رشد متأتية من الجانب السياسي وليس الفكري، مبينا أنها لو كانت كذلك لانتهت منذ موت ابن رشد، لكن "حاصل الأمر على الضد من ذلك، إذ ما يزال ابن رشد هامشياً فى الحضارة الاسلامية ونقيضه ابن تيمية هو المتحكم".

التعليق